منذ قيام الثورة اليمنية في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 وحتى اليوم تبرز تساؤلات وطنية حول طبيعة توزيع المناصب العسكرية العليا في اليمن ومدى حضور أبناء محافظة تعز في قيادة المؤسسة العسكرية وفي مقدمة هذه التساؤلات يأتي منصبا وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة باعتبارهما من أهم المواقع المسؤولة عن حماية الجمهورية وإدارة القوات المسلحة
تعز ليست محافظة هامشية في التاريخ اليمني بل هي واحدة من أكبر المحافظات من حيث عدد السكان ومن أهم المراكز الثقافية والتعليمية والسياسية في البلاد وقد كان لأبنائها حضور بارز في الحركة الوطنية والدفاع عن النظام الجمهوري والمشاركة في بناء مؤسسات الدولة كما قدمت المحافظة أجيالا من المتعلمين والمثقفين والموظفين والضباط الذين أسهموا في مختلف المجالات الوطنية
لكن السؤال الذي يستحق البحث والمساءلة هو لماذا لم يكن لأبناء تعز حضور متناسب ومستمر في قيادة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة منذ ثورة سبتمبر وحتى اليوم وهل كانت معايير اختيار القيادات العسكرية تقوم على الكفاءة والخبرة والتأهيل أم أن موازين القوى السياسية والعسكرية والقبلية لعبت دورا حاسما في تحديد هوية من يتولى هذه المناصب
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب قراءة تاريخية موضوعية لطبيعة السلطة في اليمن خلال العقود الماضية فقد تأثرت المؤسسة العسكرية في مراحل مختلفة بالصراعات السياسية والتحالفات القبلية ومراكز النفوذ وبالعلاقات التي نشأت بين القيادات العسكرية ومراكز الحكم وهو ما جعل الوصول إلى المواقع العليا مرتبطا في بعض المراحل بحسابات تتجاوز المعايير المهنية وحدها
ولا يعني ذلك التقليل من أدوار أبناء المحافظات اليمنية الأخرى أو التشكيك في كفاءة القادة الذين تولوا هذه المسؤوليات بل إن القضية تتعلق بضرورة ضمان تكافؤ الفرص أمام جميع اليمنيين ومنع احتكار النفوذ العسكري أو السياسي من قبل دوائر محددة على حساب بقية المحافظات
ومن الإنصاف التاريخي الإشارة إلى أن عبدالرقيب عبدالوهاب نعمان وهو من أبناء محافظة تعز تولى رئاسة أركان الجيش في الجمهورية العربية اليمنية عام 1968 وهي حقيقة تؤكد أن أبناء المحافظة لم يكونوا غائبين تماما عن هذا الموقع لكنها لا تلغي الحاجة إلى دراسة حجم حضورهم في قيادة المؤسسة العسكرية خلال المراحل التاريخية اللاحقة
لقد ارتبط أبناء تعز بالحركة الوطنية والجمهورية وأسهموا في مختلف ميادين الحياة العامة وكان لهم حضور في التعليم والإدارة والسياسة والعمل العسكري ولذلك فإن التساؤل عن محدودية تمثيلهم في بعض مواقع القيادة العليا ليس مطالبة بامتياز خاص ولا دعوة إلى محاصصة مناطقية بل هو سؤال مشروع حول طبيعة المعايير التي تحكم توزيع المسؤوليات الوطنية
كما أن الكثافة السكانية لمحافظة تعز تجعلها حاضرة بقوة في أي نقاش يتعلق بالتمثيل الوطني غير أن بناء الجيش لا ينبغي أن يقوم على التوزيع السكاني وحده بل على الكفاءة العسكرية والتأهيل والخبرة والنزاهة والقدرة على القيادة مع ضمان تكافؤ الفرص بين أبناء جميع المحافظات
فإذا كانت الدولة تعتمد على أبنائها في التجنيد والدفاع عن الجمهورية وتحمل أعباء الحروب فمن حق المواطنين أن يتساءلوا عن مدى عدالة الفرص المتاحة أمامهم للوصول إلى أعلى مراتب القيادة العسكرية وأن يطالبوا بمعايير واضحة وشفافة في التعيينات بعيدا عن الولاءات السياسية والمناطقية والقبلية
إن المؤسسة العسكرية ليست ملكا لمحافظة أو قبيلة أو حزب بل هي مؤسسة وطنية يفترض أن تعكس وحدة اليمن وأن تكون الولاءات فيها للدستور والجمهورية والقانون وأن يكون معيار التقدم في الرتب والمناصب هو الاستحقاق المهني والقدرة على تحمل المسؤولية
ومن هنا فإن المطلوب ليس تعيين شخص من تعز لمجرد انتمائه الجغرافي بل فتح المجال أمام الكفاءات العسكرية من أبناء تعز وسائر المحافظات للتنافس على المناصب العليا وفق معايير مهنية عادلة ومعلنة كما أن المطلوب مراجعة تاريخ التعيينات العسكرية منذ عام 1962 لمعرفة مدى تأثير الاعتبارات السياسية والمناطقية في تشكيل قيادة الجيش اليمني
إن بناء دولة جمهورية حديثة يتطلب تجاوز إرث الصراعات ومراكز النفوذ وإرساء مبدأ المواطنة المتساوية في جميع مؤسسات الدولة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية التي يفترض أن تكون نموذجا للانضباط والعدالة الوطنية
ويبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة من الباحثين والمؤرخين والقيادات السياسية والعسكرية لماذا لم يكن حضور أبناء تعز في قيادة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة متناسبا مع ثقل المحافظة السكاني ودورها الوطني وهل آن الأوان لإعادة النظر في معايير الاختيار بما يضمن العدالة وتكافؤ الفرص ويعزز ثقة اليمنيين بمؤسستهم العسكرية
إن الجمهورية التي ناضل اليمنيون من أجلها لا تكتمل إلا بدولة يشعر فيها المواطن في تعز وصنعاء وعدن وحضرموت والحديدة وصعدة وسائر المحافظات أن أبواب المسؤولية مفتوحة أمامه على أساس الكفاءة والاستحقاق وأن المناصب العسكرية العليا مسؤولية وطنية وليست امتيازا تحتكره مراكز النفوذ