من أبرز الإشكالات التي تواجه الشرعية اليمنية اليوم اختلاط الأدوار بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية فبدلا من أن ينصرف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة إلى أداء وظيفتهما الأساسية في إدارة الدولة وتنفيذ السياسات العامة وإدارة المعارك الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية أصبحت مساحة كبيرة من نشاطهما تدور في إطار العمل السياسي والإعلامي الذي يفترض أن تقوم به الأحزاب والقوى السياسية
الدولة ليست حزبا سياسيا والدور الأساسي للحكومة ليس خوض المنافسة السياسية أو الدخول في سجالات إعلامية وإنما إدارة مؤسسات الدولة وتحويل القرارات إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية
اليمن يواجه معركة اقتصادية لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية ويواجه انهيارا في الخدمات وتراجعا في قيمة العملة وضغوطا متزايدة على المواطنين وتحديات في الرواتب والإيرادات والكهرباء والصحة والتعليم والنقل والأمن الغذائي
هذه الملفات تحتاج إلى حكومة تعمل في الميدان وتضع الخطط وتنفذها وتراقب المؤسسات وتحاسب المقصرين وتعيد تنظيم الموارد العامة وتبني اقتصادا قادرا على الصمود
أما العمل السياسي والإعلامي فهو مساحة مفتوحة للأحزاب والتنظيمات والقوى السياسية والمجتمع المدني والصحافة ومن حق هذه الأطراف أن تختلف مع الحكومة وأن تنتقدها وأن تقدم البدائل والبرامج والرؤى
لكن عندما تصبح السلطة التنفيذية نفسها طرفا أساسيا في المناكفات السياسية والإعلامية فإنها تبتعد تدريجيا عن مهمتها الأصلية ويصبح المواطن أمام دولة تتحدث كثيرا وتنجز قليلا
الشرعية لا تحتاج إلى أن تكون بديلا عن الأحزاب السياسية بل تحتاج إلى أن تكون دولة فوق الأحزاب وقادرة على إدارة مؤسساتها بمهنية وعدالة
مجلس القيادة الرئاسي مطالب بأن يركز على إدارة المرحلة سياسيا وعسكريا واقتصاديا من موقعه كسلطة دولة وليس من موقع منافس للقوى السياسية
والحكومة مطالبة بأن تتعامل مع الملفات التنفيذية باعتبارها معارك حقيقية لا ملفات إدارية مؤجلة
فمعركة الكهرباء معركة دولة
ومعركة العملة والرواتب معركة دولة
ومعركة الموارد والإيرادات معركة دولة
ومعركة الخدمات والصحة والتعليم معركة دولة
ومعركة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية معركة دولة
وإذا نجحت الدولة في هذه الملفات فإن خطابها السياسي سيكتسب قوته من الإنجاز وليس من كثرة التصريحات
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات السياسية بقدر ما يحتاج إلى إدارة حقيقية وإرادة تنفيذية ومؤسسات تعمل وفق رؤية وطنية واضحة
إن استعادة ثقة المواطن بالشرعية لن تتحقق عبر البيانات والمؤتمرات والتصريحات وإنما عبر نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في راتبه وكهربائه وأمنه وخدماته واقتصاده
المطلوب اليوم إعادة الفصل الواضح بين أدوار الدولة وأدوار الأحزاب
الأحزاب تمارس السياسة
والصحافة تمارس النقد
والمجتمع المدني يمارس الرقابة
أما الحكومة فتدير الدولة وتنفيذ برامجها
ومجلس القيادة الرئاسي يقود مؤسسات الدولة ويضع الأولويات الوطنية
وعندما تستعيد كل جهة دورها الطبيعي يمكن للشرعية أن تتحول من حالة سياسية متنازعة إلى مشروع دولة قادر على مواجهة التحديات التي تهدد حاضر اليمن ومستقبله