كتب/ صدّيق الطيار
في زمن أصبحت فيه المسافة بين صاحب القرار والميدان تقاس أحياناً بطول الطريق بين قاعة الاجتماعات وخطوط التماس، يصر الفريق الركن محمود الصبيحي على اختصار هذه المسافة بنفسه.
فالرجل الذي أصبح عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، بعد مسيرة طويلة في المؤسسة العسكرية وتوليه حقيبة الدفاع، لا يبدو معنياً بأن تمنحه المناصب الجديدة امتياز الابتعاد عن الجبهة. على العكس، كلما اشتدت التطورات العسكرية، ظهر الصبيحي حيث يوجد الجنود، بين المتاريس والمواقع الأمامية، يستمع إلى القادة الميدانيين ويتابع الجاهزية ويقف إلى جوار المقاتلين.
وفي سبتمبر وحده، تنقل الصبيحي بين جبهات جبل حبشي والكدحة في تعز، ثم باب المندب وطور الباحة، وصولاً إلى جبهات الصبيحة في لحج، في مشهد يعيد تقديم الرجل باعتباره قائداً لا تزال علاقته بالميدان أقوى من إغراءات الموقع السياسي.
وليس في الأمر مجرد زيارات بروتوكولية لمسؤول إلى مواقع عسكرية. فخطاب الصبيحي نفسه يكشف عن فلسفة مختلفة للقيادة، ففي تعز خاطب الضباط والجنود بالقول: «نحن إلى جانبكم وسند لكم في هذه المعركة الوطنية الفاصلة»، مؤكداً أهمية التلاحم بين القيادة والمقاتلين في الميدان.
هنا تحديداً تتضح دلالة المشهد.
القيادة حين تقترب من المتراس
أن تكون عضواً في مجلس القيادة الرئاسي يعني أن تكون قريباً من مركز صناعة القرار، وأن تكون وزيراً للدفاع سابقاً يعني أنك تعرف جيداً كيف تُدار المعارك من غرف العمليات.
لكن الصبيحي اختار في مرحلة التصعيد الراهنة أن يضيف إلى ذلك شيئاً آخر: أن يرى المعركة بعين المقاتل، وأن يسمع احتياجات الجبهة مباشرة من رجالها، لا عبر تقارير مكتوبة أو إحاطات عسكرية.
في السادس عشر من سبتمبر، كان في الخطوط الأمامية لجبهتي باب المندب وطور الباحة، متابعاً مستوى الجاهزية والموقف الميداني والخطط الدفاعية، ومشدداً على التنسيق والانضباط ورفع اليقظة. وبعد أقل من أسبوعين، كان في جبهات الصبيحة للاطلاع على سير العمليات والمستجدات ومستوى الاستعداد.
وهكذا تتحول الزيارة من صورة لمسؤول في موقع عسكري إلى رسالة ذات معنى أوسع: أن القيادة السياسية لا ينبغي أن تفقد صلتها بالميدان الذي تُبنى عليه قراراتها.
من تجربة الحرب إلى مسؤولية الدولة
ربما لا يمكن قراءة حضور الصبيحي في الجبهات بمعزل عن تجربته الطويلة داخل المؤسسة العسكرية، ولا عن السنوات التي قضاها أسيراً لدى جماعة الحوثيين.
فالصبيحي يعرف الحرب من أكثر من زاوية، عرفها قائداً، وعرفها وزيراً للدفاع، وعرفها أسيراً، ثم عاد إلى المشهد الوطني ليواصل العمل من موقع سياسي وعسكري رفيع.
وفي يناير 2026، صدر قرار تعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، لينتقل بذلك من موقع القيادة العسكرية المباشرة إلى واحدة من أعلى دوائر القرار السياسي في البلاد.
غير أن الانتقال من الموقع العسكري إلى الموقع السياسي لم يقطع الخيط الذي يربطه بالجبهة.
وهذا هو الجانب الأكثر إثارة في تجربته الراهنة: الموقع تغير، لكن مفهومه للواجب لم يتغير.
ففي الوقت الذي كان بإمكانه أن يكتفي بمتابعة التقارير القادمة من الجبهات، ظل يذهب إليها بنفسه. وفي الوقت الذي يمكن فيه لمسؤول سياسي أن يترك للمؤسسة العسكرية مهمة التواصل مع المقاتلين، اختار أن يحتفظ لنفسه بهذا الدور.
«الميدان» ليس بعيداً عن «القصر»
قد يبدو التعبير عن الانتقال من قصر الرئاسة إلى الجبهة تعبيراً مجازياً أكثر منه وصفاً حرفياً، فـ محمود الصبيحي، بحكم موقعه، يعمل داخل مؤسسات الدولة ويشارك في اجتماعاتها وقراراتها.
لكن القيمة الرمزية للمشهد تكمن في أنه لا يسمح للموقع السياسي بأن يصبح بديلاً عن الحضور الميداني.
وفي الأول من أكتوبر ظهر الصبيحي مجدداً في المشاورات الموسعة التي عقدها رئيس مجلس القيادة الرئاسي بشأن التطورات العسكرية في تعز، إلى جانب وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية الرابعة والقيادات العسكرية والأمنية، لمتابعة تطورات الجبهات والإجراءات المتخذة للتعامل مع الهجمات ومحاولات التسلل الحوثية.
أي أن الصورة تكتمل من الاتجاهين: من الجبهة إلى غرفة القرار، ومن غرفة القرار إلى الجبهة.
وهذا تحديداً ما يمنح حضور الصبيحي في الميدان دلالته السياسية والعسكرية.
رجل لا يريد أن تتحول الرتبة إلى مسافة
ثمة فارق بين مسؤول يزور الجبهة لأن جدول أعماله يفرض عليه ذلك، وقائد يجعل من التواصل مع الجبهة جزءاً ثابتاً من حضوره العام.
وفي حالة الفريق الركن محمود الصبيحي، فإن تتابع الزيارات وتنوع مواقعها خلال الأسابيع الأخيرة يعطي انطباعاً واضحاً بأن الرجل يريد أن تبقى المسافة بينه وبين المقاتلين قصيرة.
من تعز إلى باب المندب، ومن طور الباحة إلى الصبيحة، تتكرر الرسالة ذاتها: رفع الجاهزية، تعزيز التنسيق، الانضباط، الثبات، والاستعداد للتعامل مع التطورات.
لكن خلف هذه المفردات العسكرية ثمة معنى إنساني وسياسي أكبر: المقاتل يحتاج إلى أن يشعر بأن القيادة تراه، وأن تضحياته ليست رقماً في تقرير عملياتي.
ولهذا فإن حضور قائد عسكري سابق، وعضو في أعلى مؤسسة سياسية، بين الجنود، يحمل قيمة معنوية لا تقل عن قيمته العملياتية.
الميدان.. امتحان القيادة
في نهاية المطاف، ليست المسألة في عدد الجولات التي قام بها الصبيحي، ولا في عدد المواقع التي وصل إليها، وإنما في الصورة التي تتشكل من وراء هذه التحركات.
محمود الصبيحي، الذي أصبح اليوم جزءاً من دائرة القرار الأعلى في الدولة، يصر على أن يحتفظ لنفسه بموقع قريب من الجنود والجبهات. وكأن تجربته الطويلة تقول له إن القيادة لا تُختبر فقط عندما تكون الطاولة محاطة بالمسؤولين، وإنما عندما يقف القائد أمام رجال ينتظرون منه موقفاً، وقراراً، وحضوراً.
ذلك أن الرتبة لا تصنع القائد وحدها، والموقع السياسي لا يمنح صاحبه تلقائياً شرعية الميدان. ما يصنع الفارق هو قدرة المسؤول على تحويل موقعه إلى مسؤولية، والقرار إلى فعل، والقيادة إلى حضور.
ولهذا تبدو صورة الفريق الركن محمود الصبيحي في الجبهات واحدة من أكثر الصور دلالة في المشهد اليمني الراهن: رجل وصل إلى قمة هرم القرار، لكنه لا يزال يرى أن جزءاً من واجبه يبدأ من حيث تنتهي المكاتب.
بين قصر الرئاسة وخطوط النار، لا يبدو الصبيحي راغباً في بناء مسافة. بل يبدو مصراً على أن يبقى قريباً من المكان الذي تُختبر فيه كل الكلمات: الميدان.