في خضم ما يُحاك للجنوب، لم تعد المؤامرة خافية على ذي لب. فالخطة اليوم لم تعد دبابة ومدفعاً لاقتحام عدن، بل هي أخطر وأخبث: إغراق العاصمة عدن بآلاف النازحين لإسقاطها من الداخل، بمشاركة ثلة من إخوتنا الجنوبيين المنتمين لحزب معين، باعوا أهلهم ووطنهم بوعود جوفاء لا قيمة لها، وبأدوات رخيصة من قيادات محسوبة على الجنوب في الشرعية، استُخدمت معاول هدم لتدمير أرضها.
وأخاف ما أخاف أن يصبح هؤلاء النازحون حصان طروادة الجديد.
فطروادة، تلك المدينة الحصينة التي قهرت كل جيوش الأرض، لم تستطع أي قوة أن تكسر أسوارها لسنوات، حتى لجأ الإغريق إلى الحيلة. صنعوا حصاناً خشبياً ضخماً، وأوهموا الطرواديين أنهم انسحبوا وتركوه هدية للآلهة. وبغباء شديد، أدخل الطرواديون الحصان إلى قلب مدينتهم الآمنة، فكان وبالاً عليهم. ففي جنح الليل خرج منه رجال الإغريق، فقتلوا الحراس، وفتحوا الأبواب لجيشهم الجرار الذي أحرق طروادة وقتل ملوكها ورجالها عن بكرة أبيهم.
وهذا ما أخشاه على عدن اليوم.
وأخاف أن يكون دور بعض الجنوبيين، وبالذات المنتمين لذلك الحزب المشبوه ضد أهلهم، كدور *النضيرة بنت الملك الساطرون*، ملك الحضر، كما ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية من ملوك الطوائف. فقد جاء الملك الفارسي سابور بن أردشير، أول ملوك الساسانيين، غازياً لمدينة الحضر الحصينة، وحاصرها سنين طويلة فلم يقدر عليها. حتى رأته بنت الملك من فوق السور، فأعجبت به، فأرسلت إليه: إن دللتك على طريقة دخول المدينة وفتحت لك أبوابها، هل تتزوجني؟ فوافق. فغدرت بأبيها وقومها وفتحت الأبواب للفرس، فدخلوا وأحرقوا المدينة وقتلوا أباها.
فتزوجها سابور، فلما نامت معه تململت على فراشها، فظن أن شيئاً يؤذيها، ففتش الفراش فوجد ورقة آس تحته. فتعجب من شدة دلالها، وهي التي عاشت في عز أبيها تأكل ما لذ وطاب وتلبس الحرير والديباج، ثم غدرت به. فقال قولته الخالدة: "بعد كل هذا العز من والدك غدرتِ به، فكيف آمنك على نفسي؟" ثم أمر بربط شعر رأسها بذيل الخيل وأطلقها تجري حتى ماتت. فكان جزاء الخيانة خزياً في الدنيا قبل الآخرة.
أو كخيانة *الوزير ابن العلقمي*، وزير الخليفة العباسي في بغداد، ذلك الرافضي الخبيث الذي وثق به الخليفة ثقة عمياء. فأخذ ينصح الخليفة بأن جيش بغداد عبء على الدولة وأن بغداد محصنة لا خوف عليها، وظل يسرح الجيش ويقطع رواتبه ويبعد القادة الأوفياء، بينما الخليفة مشغول بالجواري واللهو. وفي الخفاء كان يراسل المغول ويعاهدهم على فتح بغداد لهم طمعاً في أن يولوه عليها.
فلما جاء التتار، دخلوا بغداد دون عناء، فلم يجدوا من يدافع عنها، فقتلوا الخليفة شر قتلة، وأعملوا السيف في أهلها حتى قيل إن القتلى تجاوزوا مليوني مسلم، ودمرت مدينة العلم والحضارة، وكانت نكبة لم يسمع التاريخ بمثلها. وفي النهاية لم يجد ابن العلقمي إلا الإهانة والاحتقار من أسياده المغول، فمات كمداً وحسرة.
*فيا أبناء الجنوب، إن التاريخ يعيد نفسه اليوم.*
فاحذروا حصان طروادة الذي يُساق إلى عدن باسم النزوح، واحذروا نضيرة العصر التي تفتح الأبواب من الداخل، واحذروا ابن العلقمي الجديد الذي يسرح جيوشكم ويُضعف جبهتكم الداخلية ليُسلمكم للغازي.
*فالجنوب لا يسقط إلا من داخله، ومن لا يعتبر بالتاريخ، فالتاريخ كفيل بأن يجعله عبرة.*