اسم الكتاب ومؤلفه
كتاب «معرفة أنواع علم الحديث»، وهو الاسم الذي سمّاه به مؤلفه في مقدمة كتابه، واشتهر بعد ذلك باسم «مقدمة ابن الصلاح»، كما عُرف بـ«علوم الحديث».
ومؤلفه الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح، المتوفى سنة 643هـ.
ويعد الكتاب من أشهر المصنفات في علم مصطلح الحديث، ومن أهم الكتب التي اعتنى بها العلماء بعده، فاختُصر وشُرح ونُكت عليه ونُظمت مسائله، وأصبح أصلًا مهمًا في دراسة هذا الفن وتطوره.
وقد جرى في بعض الفهارس والطبعات إطلاق اسم «معرفة أنواع علوم الحديث» عليه، وهو اسم اشتهر به الكتاب، غير أن الاسم الذي صرّح به ابن الصلاح في مقدمة مصنفه هو «معرفة أنواع علم الحديث».
وقد وصف ابن الصلاح كتابه في مقدمته بقوله:
«منَّ الله الكريم تبارك وتعالى عليَّ ـ وله الحمد ـ أجمع بكتاب معرفة أنواع علم الحديث هذا الذي باح بأسراره الخفية، وكشف عن مشكلاته الأبية، وأحكم معاقده، وقعد قواعده، وأنار معالمه، وبيَّن أحكامه، وفصَّل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح فروعه وفصوله، وجمع شتات علومه وفوائده، وقنص شوارد نكته وفرائده».
انظر: «معرفة أنواع علوم الحديث» لابن الصلاح ص (6).
مكانة «مقدمة ابن الصلاح»
حظيت «مقدمة ابن الصلاح» بمكانة بارزة عند المحدثين، وأصبحت أصلًا لكثير من المصنفات التي جاءت بعدها في علوم الحديث؛ فاعتنى العلماء بها شرحًا واختصارًا ونقدًا واستدراكًا ونظمًا.
وقد بيَّن ابن حجر مكانة الكتاب وسبب إقبال العلماء عليه، فقال:
«واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر».
انظر: «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر» لابن حجر ص (34)
وقال السيوطي في بيان مكانة «مقدمة ابن الصلاح»:
«فعكف الناس عليه، واتخذوه أصلًا يرجع إليه».
انظر: «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» للسيوطي (1/235).
وقال ابن الملقن:
«ومن أجمعها: كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح، سقى الله ثراه وجعل الجنة مأواه فإنه جامع لعيونها ومستوعب لفنونها».
انظر: «المقنع في علوم الحديث» لابن الملقن (1/39).
وتكشف هذه النصوص عن المكانة التي اكتسبتها «مقدمة ابن الصلاح» في تاريخ التأليف في علوم الحديث، إذ أصبحت من الكتب المركزية التي رجع إليها العلماء في هذا الفن، وتتابعت عليها أعمال الشرح والاختصار والنقد والاستدراك والنظم.
منهج ابن الصلاح في الكتاب
جمع ابن الصلاح في كتابه مسائل متعددة من علوم الحديث كانت متفرقة في مصنفات المتقدمين، ولا سيما مصنفات الخطيب البغدادي، وأضاف إليها فوائد وتحريرات واختيارات، فاجتمع في كتابه من مسائل هذا العلم قدر كبير لم يكن مجموعًا في كتاب واحد على هذه الصورة.
وقد أشار ابن حجر إلى هذا الجانب من عمله فقال:
«فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره».
انظر: «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر» لابن حجر ص (34).
وقد تناول ابن الصلاح في كتابه أنواعًا متعددة من علوم الحديث، فذكر حدود المصطلحات وأحكامها، وأورد أقوال العلماء ومناقشاتهم، وذكر فروعًا ومسائل تتصل بكل نوع من أنواع هذا العلم.
ولهذا لم يكن أثر الكتاب ناتجًا عن مجرد جمع المادة العلمية، بل عن جمعها وتحريرها في صورة أصبحت أساسًا لكثير من المصنفات اللاحقة.
ما أُخذ على ترتيب الكتاب
مع مكانة الكتاب العلمية، فقد نبَّه العلماء الذين اعتنوا به إلى بعض الملاحظات المتعلقة بترتيبه وتقسيم أنواعه، ومن ذلك: تداخل بعض الأنواع، وعدم تناسب ترتيبها في بعض المواضع، وإغفال بعض الأنواع والمسائل.
وقد ناقش الزركشي هذه المسائل في «النكت على مقدمة ابن الصلاح»، وتناول ما يتعلق بتداخل الأنواع وترتيبها، وما فاته من بعض المسائل والأنواع.
انظر: «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي (1/56،57،58).
ثم ناقش ابن حجر هذه المسائل في «النكت على كتاب ابن الصلاح»، وتناول ما يتعلق بتداخل بعض الأنواع وترتيبها.
انظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (1/232،233).
أما سبب عدم تناسب ترتيب الكتاب، فقد بيَّنه ابن حجر بقوله:
«وأملاه شيئًا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب».
انظر: «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر» لابن حجر ص (34).
ومن هنا يتبين أن الملاحظات التي ذكرها العلماء على ترتيب الكتاب لا تتعلق بأصل مادته العلمية، وإنما تتصل ـ في جانب منها ـ بطريقة تأليفه؛ إذ أملاه ابن الصلاح شيئًا بعد شيء، فظهر أثر ذلك في ترتيب بعض الأنواع وتداخلها.
وكان من آثار ذلك أن اعتنى العلماء بعده بتحرير مسائل الكتاب، وشرح عباراته، والتنبيه على مواضع الإشكال والاستدراك.
أثر «مقدمة ابن الصلاح» في المصنفات اللاحقة
كان للمقدمة أثر واضح في مسار التأليف في علوم الحديث، وتتابعت المصنفات التي اتصلت بها بالاختصار والشرح والنقد والاستدراك والنظم.
وقد أشار ابن حجر إلى كثرة هذه الأعمال بقوله:
«فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر».
انظر: «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر» لابن حجر ص (34).
وقال السيوطي:
«فعكف الناس عليه، واتخذوه أصلًا يرجع إليه، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومنكت».
انظر: «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» للسيوطي (1/235).
وهذا الأثر لا يعني أن جميع المصنفات اللاحقة كانت مجرد نقل عن ابن الصلاح؛ بل إن العلماء ناقشوا مسائله، واستدركوا عليه، واختصروا كلامه، وأعادوا ترتيب بعض مباحثه، وأضافوا مسائل وتحريرات، مع بقاء الكتاب أصلًا حاضرًا في مسار التأليف في هذا الفن.
ويمكن جمع أبرز مسارات التأثر بالمقدمة في أربعة مسارات رئيسة:
أولًا: الشرح والنقد والتحرير
كان من أبرز مظاهر عناية العلماء بالمقدمة أن صنفوا عليها الشروح والنكت والاستدراكات والتحريرات، ومن أهم هذه المصنفات:
«التقييد والإيضاح» للعراقي
صنف الحافظ زين الدين العراقي كتابه «التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح»، وقصد فيه شرح عبارات ابن الصلاح، وتقييد مطلق كلامه، وفتح مغلقه، والتنبيه على المواضع التي تحتاج إلى مزيد بيان.
وقال العراقي في مقدمة كتابه:
«فإن أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح: كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعًا، إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه، فأردت أن أجمع عليه نكتًا تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه».
انظر: «التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» للعراقي (ص 11).
«النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي
ومن المصنفات المهمة التي اعتنت بالمقدمة كتاب «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للإمام بدر الدين الزركشي، وقد ناقش فيه مسائل متعددة من المقدمة، وحرر مواضع منها، ونبَّه على بعض ما يحتاج إلى استدراك أو تفصيل.
وقال الزركشي في وصف عمل ابن الصلاح:
«وجاء بعدهم الإمام أبو عمرو بن الصلاح فجمع مفرَّقهم، وحقق طرقهم، وأجلب بكتابه بدائع العجب، وأتى بالنكت والنخب، حتى استوجب أن يكتب بذوب الذهب والناس كالمجمعين على أنه لا يمكن وضع مثله وقصارى أمرهم اختصاره من أصله».
انظر: «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي (1/9،10).
«محاسن الاصطلاح» للبلقيني
ومن المصنفات المهمة أيضًا كتاب «محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح» لسراج الدين البلقيني، وهو من الكتب التي اعتنت بتحرير مسائل المقدمة، وزيادة ما يحتاج إليه طالب هذا العلم.
«النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر
ومن أشهر المصنفات التي تناولت المقدمة بالنقد والتحرير كتاب «النكت على كتاب ابن الصلاح» للحافظ ابن حجر، وفيه مناقشة لعدد من مسائل ابن الصلاح، مع تحرير الأقوال ومناقشة الأدلة.
وهكذا نشأ حول «مقدمة ابن الصلاح» تراث علمي واسع من الشروح والنكت والاستدراكات والتحريرات، مما يدل على استمرار حضورها في الدرس الحديثي بعد مؤلفها.
ثانيًا: الاختصار
من أبرز مظاهر عناية العلماء بالمقدمة اختصارها، ومن أشهر من قام بذلك الإمام النووي.
فقد اختصر النووي كتاب ابن الصلاح في كتاب سماه «الإرشاد إلى علم الإسناد»، ثم اختصر «الإرشاد» في كتابه «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير».
وقد صرح النووي بذلك في مقدمة «التقريب والتيسير»، فقال:
«وهذا كتاب اختصرته من كتاب الإرشاد الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رضي الله عنه ، أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير إخلال بالمقصود، واحرص على إيضاح العبارة، وعلى الله الكريم الاعتماد وإليه التفويض والاستناد»
انظر: «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» للنووي (ص 23).
وهذا النص صريح في بيان العلاقة بين الكتب الثلاثة، ويمكن تصويرها على النحو الآتي:
السلسلة العلمية للمختصرات
ابن الصلاح
«معرفة أنواع علوم الحديث»
⬇
النووي
«الإرشاد إلى علم الإسناد» ـ اختصار لكتاب ابن الصلاح
⬇
النووي
«التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» ـ اختصار لـ«الإرشاد»
وهذا من أوضح المسارات التي انتقلت فيها مادة «مقدمة ابن الصلاح» من كتابها الأصلي إلى مختصرين متتابعين.
ومن الكتب المختصرة في علوم الحديث التي جاءت في هذا السياق أيضًا «اختصار علوم الحديث» لابن كثير، وهو مصنف مختصر في هذا الفن، تناول فيه عددًا من مسائل علوم الحديث.
ثالثًا: الشرح بعد الاختصار
جاء بعد ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي فشرح كتاب النووي «التقريب والتيسير» في كتابه المشهور «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي».
وقال السيوطي في مقدمة «تدريب الراوي»:
«فرأيت كتاب التقريب والتيسير لشيخ الإسلام الحافظ، ولي الله تعالى أبي زكريا النووي، كتابًا جل نفعه، وعلا قدره، وكثرت فوائده، وغزرت للطالبين موائده».
انظر: «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للسيوطي (1/24،25)،.
وعليه فإن التسلسل العلمي المباشر يكون على الصورة الآتية:
«معرفة أنواع علوم الحديث» لابن الصلاح
⬇
«الإرشاد إلى علم الإسناد» للنووي
⬇
«التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» للنووي
⬇
«تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» للسيوطي
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن «تدريب الراوي» ليس شرحًا مباشرًا لـ«مقدمة ابن الصلاح»، وإنما هو شرح لـ«التقريب والتيسير»، الذي اختصره النووي من «الإرشاد»، الذي اختصره بدوره من كتاب ابن الصلاح.
وبذلك يظهر امتداد مادة ابن الصلاح في هذه السلسلة العلمية بصورة واضحة: أصل، ثم اختصار، ثم اختصار، ثم شرح.
رابعًا: النظم
لم يقتصر أثر «مقدمة ابن الصلاح» على الشروح والمختصرات، بل ظهر أثرها أيضًا في نظم مسائل علوم الحديث، ومن أشهر ذلك منظومة الحافظ زين الدين العراقي «التبصرة والتذكرة»، المشهورة بـ«ألفية العراقي».
وقد نظم العراقي فيها مسائل علوم الحديث في منظومة يسهل حفظها واستحضار مسائلها، ثم اعتنى العلماء بشرحها، ومن أشهر شروحها «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» للسخاوي.
ومن المهم هنا التفريق بين النظم والشرح؛ فـ«التبصرة والتذكرة» للعراقي منظومة في علوم الحديث، وأما «فتح المغيث» للسخاوي فهو شرح لألفية العراقي، وليس نظمًا مستقلًا لمقدمة ابن الصلاح.
وكذلك لا يصح إدراج «تدريب الراوي» للسيوطي في باب نظم المقدمة؛ لأنه شرح لـ«التقريب والتيسير» للنووي.
وهذه المسارات تكشف عن اتساع أثر المقدمة، وأن عناية العلماء بها لم تكن على صورة واحدة، بل تنوعت بحسب حاجة المصنف؛ فمنهم من شرح، ومنهم من اختصر، ومنهم من استدرك، ومنهم من نظم.
والله أعلم.
[مجدي الحالمي]