في مدينةٍ تعيش على وقع أزمات متلاحقة، من انقطاع الكهرباء وغلاء المعيشة إلى شح الغاز وصعوبة المواصلات، يبدو أن المواطن العدني لم يعد بحاجة إلى أزمة جديدة تضاف إلى قائمة أعبائه اليومية.
آخر هذه الإجراءات يتمثل في توجه السلطة المحلية ومكتب النقل وشرطة السير إلى تنظيم خطوط الباصات عبر لواصق جديدة تحدد مساراتها، وهي خطوة تقول الجهات المعنية إنها تهدف إلى تنظيم حركة النقل والحد من العشوائية والازدحام.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا هو التوقيت المناسب لمثل هذه الإجراءات؟
المشكلة ليست في مبدأ تنظيم النقل؛ فتنظيم حركة الباصات أمر مطلوب، وتحديد خطوط السير يمكن أن يكون مفيدًا إذا جاء في إطار خطة شاملة تراعي ظروف الناس وأصحاب المركبات. المشكلة في أن المواطن يعيش أصلًا أزمة مواصلات حقيقية، وقد أكدت وزارة النقل نفسها أن عدم توفر الغاز أدى إلى خروج عدد من باصات النقل من الخدمة وصعوبة تنقل المواطنين والطلاب.
فكيف يمكن أن نتحدث عن تنظيم النقل، بينما جزء من وسائل النقل نفسها يعاني من أزمة وقود؟
ثم تأتي مسألة أخرى أكثر تعقيدًا: واقع الباصات الموجودة على شوارع عدن.
ليس كل أصحاب الباصات قادرين على شراء مركبات حديثة أو استبدال مركباتهم القديمة. كثير من هذه الباصات تمثل مصدر رزق لأسر تعيش من دخل يومي محدود، وأي إجراء يفرض عليها تكاليف إضافية أو شروطًا يصعب تنفيذها قد يعني ببساطة إخراج أصحابها من سوق العمل.
كما أن الحديث عن توحيد ألوان أو مواصفات معينة للباصات، في مدينة تنتشر فيها مركبات بألوان وموديلات مختلفة، يحتاج إلى دراسة واقعية لا إلى قرارات منفصلة عن الظروف الاقتصادية للمواطنين.
السؤال الأهم هنا: من يتحمل نتيجة هذه الإجراءات إذا توقفت باصات عن العمل؟
هل يستطيع صاحب الباص شراء مركبة حديثة؟
هل يستطيع العامل الذي يعتمد على الباص كمصدر رزق أن يتحمل البطالة؟
وماذا عن المواطن الذي سيجد عدد الباصات أقل، وبالتالي قد يجد نفسه أمام أجور نقل أعلى وخيارات أقل؟
عدن ليست مدينة مستقرة اقتصاديًا حتى تُطبَّق عليها الإجراءات وكأن الظروف طبيعية. نحن في بلد أنهكته الحرب، ومجتمع يعاني من تراجع الدخل وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات. وفي مثل هذه الظروف، يفترض أن تكون الأولوية لتخفيف الأعباء عن الناس، لا إضافة أعباء جديدة عليهم.
المطلوب ليس إلغاء التنظيم، بل تنظيمه بطريقة تراعي الإنسان قبل المركبة.
قبل إلزام أصحاب الباصات بأي متطلبات جديدة، يجب أن تكون هناك دراسة حقيقية لأعداد المركبات، وأوضاع أصحابها، وموديلاتها، وقدرتهم على الالتزام، وأثر أي قرار على أسعار النقل وفرص العمل.
أما أن تعمل إدارة المرور بمعزل عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه المواطن، فهنا تكمن المشكلة.
المواطن العدني لا يريد فوضى في شوارع مدينته، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول عملية التنظيم إلى سبب جديد لتعطيل رزقه أو زيادة معاناته.
فإذا كان الهدف تنظيم النقل، فليكن التنظيم لصالح المواطن والسائق معًا، لا على حساب أحدهما.
عدن اليوم بحاجة إلى قرارات تخفف الاختناق عن الناس، وتوفر الغاز والمواصلات، وتحافظ على مصادر رزق الأسر، ثم تأتي بعدها الإجراءات التنظيمية التي يمكن تطبيقها تدريجيًا وبما يتناسب مع الواقع.
فالسؤال الذي يجب أن تجيب عنه السلطة المحلية وشرطة السير ليس فقط: كيف ننظم الباصات؟
بل أيضًا: كيف ننظمها دون أن نقطع أرزاق أصحابها، ودون أن نزيد معاناة المواطن الذي ينتظرها كل صباح على قارعة الطريق؟