كان في النفس حذرٌ قديم استقر في السويداء، نسجته الحكايا
ت الصامتة، وترامت به ظنون الناس حول ذلك الاسم الرهيب: «البنك الدولي».
طالما خلناه غيمًا مَرودًا يوهم بالسقيا ولا يمطر، أو قيدًا تُصاغ منه أصفاد الشعوب، ومسافة سرمدية تفصل بين الروح وأحلامها البسيطة. كنا نراه كيانًا باردًا، جلمدًا لا ينبت في ثراه عشب، ولا يجري في إثره جرير ماء.
حتى إذا كان يومَا الثالث والعشرين والرابع والعشرين من سبتمبر عام 2026، وساقتني المقادير لألبي دعوة إلى ورشة عمل عقدها البنك الدولي في فندق سوفيتل بالقاهرة، لبحث الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجالات الزراعة والمياه والثروة السمكية، ولجت القاعة وفي السريرة ذلك الوجس الأول.
غير أن العيون حين صدقت الرأي، والآذان حين أصغت إلى الحديث، رأت غير الذي انطوت عليه الظنون.
رأيت الأفكار تتعانق في الهواء كما تتعانق الأرواح التي أرهقها التعب، ورأيت خبراء يبذلون جهدهم ليصنعوا من المواثيق جسورًا نحو غد أفضل.
وهناك، وسط زحام الأوراق وفي طيات المخطوطات، أطلت «عدن».
أطلت كعروس تعافر الركام، وتتطلع إلى الحياة بقلب صبور، رغم ما أثقل كاهلها من سنين الجفاف والأسى.
شهدت ملامح أمل تنبعث من بين الموت؛ مشروعًا لإنشاء محطتين نموذجيتين لتحلية مياه البحر في خورمكسر والبريقة، يمولهما البنك الدولي بالكامل بنسبة مائة بالمائة، لتكونا النواة التي ينساب منها الرجاء، والخطوة الأولى نحو طرد ظمأ المدينة العتيقة.
إن هاتين المحطتين ليستا مجرد أحجار تُقام، ولا خدمة قاصرة تُزجى، بل هما التباشير الأولى لفجر استراتيجي طويل.
إنهما القطرة التي تبشر بالسيل؛ والبداية نحو محطة كبرى تسقي عدن، وتجري في عروقها نهرًا من الحياة، وتسد فاقتها، وتحرس أمنها المائي، وتضع حجر الأساس لنهضة عمرانية واقتصادية طال انتظارها.
فالشرارة الصغيرة قد لا تضيء الخراب كله، لكنها تدل الحائرين على طريق النور.
خرجت من الورشة ولست بالرجل الذي دخلها.
كنت أمشي في شوارع القاهرة وعيناي تمتدان عبر البحر إلى نحر عدن. أدركت أن المعرفة حين تصافح التجربة، وأن الشراكة حين تخلع ثوب الشعارات لترتدي جلباب العمل، تستطيع فتح الأبواب التي صدئت مغاليقها.
إن عدن لم تعد بحاجة إلى لغو القول ولا زخرف الوعود، بل هي عطشى إلى مشاريع تلمس الأرض، وإدارة ترعى الحق، وشراكات صادقة تعيد للماء بهاءه وللإنسان كرامته.
ومن الماء بدأ الخلق، وبه تبدأ حكاية عدن الجديدة.