في اليمن، لا تكفي البيانات لمعرفة اتجاه الحرب، كما لا يكفي سقوط موقع أو استعادة جبل للقول إن موازين القوة قد تبدلت.
لكن حين يتزامن تحرك الجبهات مع خطاب سياسي يرفع سقف المواجهة، يصبح من الضروري التوقف أمام ما إذا كانت البلاد تدخل فعلاً طوراً جديداً، أم تعيد إنتاج دورة قديمة بأدوات مختلفة.
هذا هو السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة في تعز ولحج والجوف ومأرب، مع الحديث عن تقدم في مواقع بينها جبل نُمان وتبة دار الكافر.
فالمشهد لا يبدو مجرد احتكاك ميداني محدود، خصوصاً أن التحركات جاءت مترافقة مع خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر، حيث دعا إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، بالتزامن مع فتح باب العودة لمن يترك القتال في صفوف الحوثيين والتعهد بعفو وفق الأطر القانونية.
الرسالة هنا واضحة في بنيتها: ضغط على الجبهة، وباب مفتوح خلفها، فالعليمي يحاول أن يجعل القوة العسكرية وسيلة لتغيير المعادلة، لا غاية منفصلة عن السياسة، وأن يربط التصعيد برسالة موجهة إلى المقاتلين والبيئة المحيطة بالحرب في آن واحد.
لكن الخطاب السياسي لا يصبح تحولاً عسكرياً إلا عندما يجد ما يثبته على الأرض، وهنا تحديداً تكمن أهمية التطورات الأخيرة.
فإذا تمكنت القوات الحكومية من تثبيت المواقع التي أعلنت استعادتها، والحفاظ على خطوط التقدم، وربط التحركات بين أكثر من جبهة، فإننا لا نكون أمام مجرد مكاسب تكتيكية، بل أمام بداية إعادة رسم لخطوط القوة.
أما إذا بقيت السيطرة على المواقع محدودة زمنياً وجغرافياً، فإن الحديث عن تحول واسع سيكون سابقاً لأوانه، وقد تعود الجبهات إلى نمطها المعروف: مكاسب موضعية، ثم استنزاف، ثم تهدئة مؤقتة.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان العليمي قد أعلن مرحلة جديدة، بل هل يستطيع الميدان إثباتها؟
حتى الآن، يمكن الحديث عن بداية تحول ميداني أكثر من الحديث عن تحول استراتيجي مكتمل، فالمؤشرات تستحق المتابعة، لكنها تحتاج إلى الاستمرارية والتثبيت واتساع نطاق العمليات حتى تتحول من حركة على الخريطة إلى تغيير في معادلة الحرب.
ولا يمكن عزل ذلك عن الجغرافيا الأوسع، فتعز ولحج ليستا مجرد جبهتين محليتين .. قربهما من الساحل الغربي وباب المندب يجعل أي تغير فيهما ذا صلة بأمن البحر الأحمر، فيما تضيف التوترات الإقليمية بعداً آخر إلى حسابات الأطراف.
لكن المعضلة اليمنية تبقى أعمق من الميدان، فحتى لو تغيرت خطوط السيطرة، ستظل الأسئلة الأساسية قائمة: من يمتلك قرار الحرب والسلام؟ وهل تستطيع الدولة تحويل القوة العسكرية إلى مؤسسات واستقرار ومسار سياسي؟
هنا تحديداً يُختبر خطاب العليمي، فإذا تحول النفير إلى قدرة عسكرية منظمة، وتحولت المكاسب إلى مواقع ثابتة، وتحول العفو إلى مسار قانوني حقيقي، فإن الخطاب والميدان سيكونان قد التقيا في صناعة معادلة جديدة، أما إذا بقي كل منهما في مساره، فسيكون التصعيد مجرد فصل إضافي من الحرب.
اليمن أمام لحظة لا تحتمل المبالغة ولا التقليل، هناك حركة واضحة في الميدان، وهناك خطاب سياسي أكثر صراحة في مواجهة الحرب، لكن قيمة الاثنين ستتحدد بما سيحدث بعد ذلك.
وفي تقديري، فإن ما يجري لم يعد مجرد تحرك تكتيكي محدود، هناك مؤشرات واضحة على تحول عسكري فعلي في إيقاع المعركة، وعلى محاولة منظمة لاستعادة المبادرة وانتقال القوات الحكومية من إدارة الجبهات إلى الضغط عليها.
تقدمها في عدد من المواقع الاستراتيجية، وتزامن ذلك مع خطاب سياسي أكثر وضوحاً من مجلس القيادة الرئاسي، ودعوة العليمي إلى النفير بالتوازي مع فتح باب العفو والعودة، كلها تشير إلى أن المشهد دخل مرحلة مختلفة عن مرحلة الجمود السابقة.
لكن هذا التحول لا يعني أن الحرب حُسمت، ولا أن موازين القوة انقلبت نهائياً، الحسم الحقيقي سيكون في قدرة القوات الحكومية على تثبيت مكاسبها، وتوسيع نطاقها، وربط الجبهات ضمن استراتيجية واحدة، ومنع العودة إلى نمط الكر والفر الذي طبع سنوات الحرب.
ومع ذلك، فإن نقطة التحول الأهم قد تكون قد بدأت بالفعل: الميدان لم يعد يتحرك فقط استجابة لهجمات الخصم، بل بدأت تظهر محاولة لفرض إيقاع جديد على المعركة.
وهذه هي العلامة الفارقة بين مجرد اشتباكات متجددة وبين استعادة المبادرة العسكرية.
وعليه، فإنني أميل إلى القول إن اليمن يقف أمام بداية تحول عسكري حقيقي، لا أمام حسم عسكري نهائي.
وإذا استطاعت القيادة السياسية والعسكرية البناء على هذه اللحظة، وتحويل المكاسب الميدانية إلى مسار متصل سياسياً وعسكرياً، فقد تتحول الجولة الحالية من فصل جديد في الحرب إلى نقطة فاصلة في مسارها.
أما إذا تبعثرت المكاسب وتوقفت العمليات عند حدود السيطرة على مواقع متفرقة، فسوف يعود المشهد إلى دائرته القديمة.
لهذا فإن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على هذا الجبل أو تلك الجبهة؟ بل أصبح أكثر وضوحاً وحسماً: هل تستطيع القوات الحكومية الحفاظ على المبادرة التي بدأت باستعادتها وتحويلها إلى تحول استراتيجي يعيد رسم خريطة الحرب؟
هنا تحديداً سيُكتب مستقبل المرحلة المقبلة؛ فالميدان يقول إن شيئاً تغير، لكن الأيام القادمة وحدها ستقول إن كان هذا التغير بداية انقلاب في مسار الحرب أم مجرد موجة جديدة من موجاتها.
محمد خالد الحسيني