آخر تحديث :الأحد-27 سبتمبر 2026-12:52ص

سبتمبر.. الوعد الذي لا يموت

السبت - 26 سبتمبر 2026 - الساعة 04:16 م
عبدالملك المخلافي


في فجر السادس والعشرين من سبتمبر 1962، لم تهتز صنعاء بصوت الدبابة التي حطمت دار الإمامة وحده؛ بل اهتزّت معها قرونٌ من الخوف. كان اليمني، الذي أرهقته الإمامة بالجهل والعزلة والفوارق الطبقية والاجتماعية، يسمع للمرة الأولى صوتًا يقول له إن الوطن ليس وقفًا على سلالة أو أسرة تدّعي الحق الإلهي في الحكم، وإن الإنسان لا يُقاس بنسبه، وإن الحكم حقٌّ للشعب لا مُلكٌ للإمام. ومن تلك الليلة خرج اليمن من العتمة إلى أفق الجمهورية، وخرج اليمني من موقع الرعوي إلى مقام المواطن.


سبتمبر ليست تاريخًا نضعه في إطار، ولا نشيدًا نردده ثم نمضي. إنها الدم الذي دفعه الأحرار كي يفتحوا للناس أبواب المدرسة والمدنية والعمل والأمل. إنها اليد التي نزعت عن اليمن قيد الكهنوت، وردّت له وجهه العربي الحر، وحررت عقله من خرافة الاصطفاء. ولذلك بقيت الثورة في وجدان اليمنيين أكبر من مجرد انقلاب عسكري أو مجرد تغيير سياسي؛ كانت ميلادًا جديدًا للوطن، وصرخةً إنسانيةً في وجه من أرادوا للناس أن يظلوا صامتين، فقراء، خائفين، مستعبدين، يرزحون تحت وطأة الجهل والمرض.


لقد حملت أهداف سبتمبر منذ يومها الأول جوهر اليمن الذي نريده: جمهورية عادلة، وجيش وطني، وتعليم، وتنمية، ومساواة. لم تكن المساواة مجرد نص في بيان الثورة، بل كانت قلبها النابض؛ أن يكون الجميع سواءً أمام القانون ولهم الحقوق نفسها، وأن تكون كرامة الإنسان مصونة مهما كان موطنه أو مذهبه أو قبيلته. هذا هو الفضل الذي صنعته سبتمبر: فتحت الطريق أمام اليمني ليحلم، ويتعلم، ويتكلم، ويطالب بحقه في دولة تحميه بدل أن تستعبده.


لكن سبتمبر اليوم في خطر داهم. فالمشروع الحوثي، بما يحمله من منطق السلالة والسلاح واحتكار الحقيقة، يحاول أن يعيد اليمن إلى ما ثار عليه الأحرار ومعهم جموع الشعب قبل أربعةٍ وستين عامًا: حاكمٌ فوق الناس، وحقٌّ مزعوم في السلطة والثروة، ودولةٌ تُصادر لصالح جماعة. هنا لا يجوز أن نخدع أنفسنا بالأسماء والشعارات؛ فحتى إن بقي اسم الجمهورية، ولم يعد اسم الملكية، ولم يُعلن عبدالملك الحوثي نفسه إمامًا، فإن ذلك ليس إلا بفعل المقاومة المستمرة لمشروعه؛ فالإمامة لا تصبح مقبولة إذا ارتدت ثوبًا جديدًا، ولا يكون الاستبداد أقل قسوة إذا تحدّث بلغة الثورة أو قضايا كبرى مثل فلسطين.


المشروع الحوثي، بكل شعاراته الجديدة، هو طبعة أبشع من الإمامة والظلم، وأكثر دموية وعنصرية. والمطلوب اليوم توحيد الصفوف في مواجهة هذا المشروع، والعمل على هزيمته واستعادة الدولة والانتصار لسبتمبر ومبادئها وأهدافها، وإعادتها إلى ألقها.


ليس المطلوب من اليمنيين أن يختلفوا أقل أو أن يلغوا تعددهم؛ فاليمن واسع بتنوعه، وتاريخه أقوى من محاولات تمزيقه. المطلوب أن يتفقوا على سقفٍ واحد: لا عودة لسلطة السلالة، ولا شرعية فوق شرعية الشعب، ولا سلاح خارج الدولة. بهذا وحده يصان معنى سبتمبر.


والانحياز لسبتمبر ليس دعوةً للكراهية ولا خصومةً مع أهل أي منطقة أو مذهب؛ إنه انحيازٌ صريح للإنسان اليمني، ولحقه في أن يعيش حرًا متساويًا وآمنًا. وهو كذلك رفضٌ لكل فساد أو إقصاء جرى باسم الجمهورية؛ لأن من يحب سبتمبر بحق لا يقبل أن تُسرق أحلامها مرة أخرى.


في ذكراها الرابعة والستين، علينا أن نتمسك بها كما يتمسك الغارق في الظلام بنور الفجر. نحميها بالوعي، وبوحدة الصف الجمهوري، وبالدفاع عن الدولة والقانون، وبالإصرار على أن اليمن لن يعود ملكًا لأحد. سبتمبر لم تكن نهاية معركة، بل بداية وعد: يمنٌ لا سلالة تحكمه، ولا كهنوت يخيفه، ولا مواطن فيه أقل شأنًا من مواطن. ذلك الوعد لا يموت ما دام في اليمنيين قلبٌ ينبض بالحرية.