هناك أماكن لاتغادرنا حتى وأن غادرناها٠٠٠ أماكن لاتختزنها الجدران وحدها، ٠٠ بل تحفظها الذاكرة٠ وتروى حكاياتها الوجوه، وتبقى أصواتها عالقه في أعماقنا مهما امتدت بنا السنوات،٠ وحين يقوم اي معلٌم بزيارة مدرسة علٌم فيها ليس البحث عن ذكرياته فقط٠ بل ليرى ماذا فعل الزمن بتلك المدرسة٠ وليست كل زياره عابرة، فبعض الزيارات تعيد فتح أبواب ظننا أن الزمن اغلقها الى الأبد وتوقظ في الذاكرة أصوات وأسماء ووجوه ظلت نائمه في أعماقنا عشرات السنين، ومدرسة المنصوره لم اذهب اليها بكونني منتمي إليها من حيث المكان، فأنا لست من ابناء المنطقة٠ وأنما كنت واحداً من معلميها في مرحلة من مراحل عمرها، عندما كانت في أوج عطائها ويوم كان المعلم يحمل رسالته وهو يشعر أنه يشارك في صناعة جيل جديد٠٠٠!
أكتب إليكم اليوم ، لا بصفتي مسؤولاً أبحث عن منصب، ولا خطيباّ منتظر تصفيقاً، ولا معلّماً يطلب شهرةً أو ثناءً؛
بل أكتب إليكم بقلبٍ يعتصره الألم، وبعينٍ أثقلتها الذكريات، ووجهٍ شاحبٍ يحمل ملامح نصف قرنٍ من الوفاء.
أكتب إليكم وأنا أستعيد صورة ذلك المعلّم الذي حمل الطبشورة ذات صباح، قبل نحو خمسين عاماً، ليخطّ حروف العلم على سبورة هذه المدرسة ثم حمل المشرط ليقدّم لتلاميذه دروس التشريح التطبيقي بمهارة واتقان وتدريب طلائع المدرسة كل صباح على فنون الانضباط وحسن المظهر، حتى كان رباط العنق جزءً من درسٍ في التربية قبل أن يكون مجرد قطعةٍ من القماش.٠٠٠!
إنني أتحدث اليوم عن ذاكرة أجيال، وعن صرحٍ تربوي، وعن أمٍّ كبرى احتضنت أبناءها، وعن منارةٍ حملت اسمها في ربوع المنطقة: مدرسة المنصورة الرباط،
(أمُّ المدارس).
أولًا: مجدٌ تأسّس عام 1968م
هناك، في قلب الرباط، وفي موقعٍ يتوسط القرى والمناطق المحيطة بها، كأن المكان اختير بعناية ليكون قلباّ نابضاّ بالحياة، قامت عليه هذه المدرسة واحتضنت أبناء مكاتب اليهري والسعدي واليزيدي، وأبناء القرى المحيطة والاستجلاب، وفتحت أبوابها لكل طالبٍ جاءها حاملاً حلماً صغيراً، لتعيده إلى أهله بعد سنواتٍ وهو يحمل في يده مفتاحاً من مفاتيح المستقبل.
تعاقب على إدارتها رجالٌ أوفياء، مخلصين كانوا من خيرة أبناء المنطقة، وحمل معلموها رسالتها جيلاً بعد جيل، وكان جميعهم يأتون من عدن ولحج وأبين والضالع والصبيحه وحضرموت وكلد حاملين نور المعرفة، حتى جاء عام 77/ 78م، فبدأ أبناء المنطقة أنفسهم يتسلّمون الراية، ويتولون شرف حمل الرسالة التعليمية في مدرستهم.
ثانياً: العصر الذهبي...
لقد كانت المنصورة ـ الرباط أسطورةً تربويةً بكل ما تعنيه الكلمة. كانت حديث المركز والمديرية والمحافظة، بل كان صيتها يتجاوز حدود المكان، حتى غدت نموذجاً يُشار إليه بالبنان.
لم نكن نعلّم أبناءنا القراءة والكتابة وحسب؛ كنا نؤمن أن المدرسة الحقيقية لا تصنع متعلماً فقط، وإنما تصنع إنساناً، وتبني شخصيةً، وتزرع قيماً، وتفتح نافذةً على الحياة.
في ميادين الرياضة، كان أبناؤها أبطالاً لا يُستهان بهم. وفي الثقافة والفنون والتربية، كان بينهم روادٌ يشار إليهم بالبنان.
أما الفن والمسرح المدرسي، فكان للمنصورة فيهما حضورٌ لا يُنسى.
وما زلت، حتى اليوم، أسمع في أعماقي صدى أوبريتاتها التربوية الهادفة، وأتذكر أغانيها التي كانت تتردد في المحافل والمهرجانات، وتحمل رسائل التعليم والوعي والانضباط.
ومن تلك الكلمات التي لا تزال عالقةً في الذاكرة:
مامعي مقدرة للهرج ذا وعيالي
ويش ذا العلم ذي جاني وعَثّق بحالي
الصبي والمرأة والبنت بتروح يومي
للدراسة طوال أيامها والليالي
رحم الله شاعرها محسن ثابت، الذي استطاع أن يجعل من الكلمة أداةً للتربية، ومن الفن وسيلةً للوعي.
لقد كانت مدرسة المنصوره سبّاقةً في مجال تعليم الفتاة. ففي عام 1970م، وفي خطوةٍ تربوية جريئة سبقت كثيراً من المدارس في محيطها، فتحت أبوابها أمام تعليم البنات إلى جانب البنين، واستمر هذا النهج حتى يومنا هذا، فلم تُفصل البنات عن البنين في مسيرتها التعليمية.
وفي عام 75/ 76م فتحت ذراعيها لاستيعاب الصفوف الاعداديه الى جانب الابتدائي والموحد
ثم اتسع الحلم أكثر، فأكثر ففي العام الدراسي 1991 ـ 1992م احتضنت المدرسة التعليم الثانوي، في خطوةٍ تعكس حاجة المنطقة إلى مواصلة أبنائها تعليمهم داخل بيئتهم.٠٠
لكن هذا التوسع جاء بثمنٍ مؤلم؛ إذ كان على التعليم الثانوي أن يتقاسم المساحة والإمكانات مع التعليم الأساسي، وظلت المشكلة قائمة حتى اليوم: لا يوجد مبنى مستقل للتعليم الثانوي.
ثالثاً: جرح اليوم...
حين زرنا هذه المدرسة كنت أحمل في قلبي صورة المدرسة التي عرفتها، بعد مضي
نصف قرنٍ تقريباً مرّ على تأسيسها، ومع ذلك لا يزال واقعها يختزل في سورٍ من جهتين، وقاعة، وفصلٍ دراسي أو فصلين، مضاف إلى المبنى السابق فقط الذي يحتاج إلى الرعاية والترميم.
أما المعلمون، وهم روح المدرسة وقلبها النابض، فهناك نقصٌ حاد ومؤلم في الكادر التعليمي، سواء في التعليم الأساسي أو الثانوي. والأشد ألماً أن مخرجات المدرسةٍ التي كانت يوماً تفاخر بها المنطقة، وتخرّج الطبيب والمهندس والمعلم والقائد، لقد أصبحت اليوم ـ وفق ما نراه ونلمسه ـ بحاجةٍ إلى وقفةٍ جادة تعيد إليها عافيتها ومكانتها.
فهل يعقل أن تصل أمُّ المدارس إلى هذا الحال؟
رابعًا: المنصورة ليست مبنى بل ذاكرة مجتمع
أيها الأحبة...
إن إنقاذ المنصورة ـ الرباط ليس ترفًا، وليس مشروعاً تجميلياً، وليس مجرد إصلاحٍ للنوافذ والجدرانٍ والارضية
إنه وفاءٌ لتاريخٍ تربوي يمتد لعقود.
إن المدرسة التي خرّجت أجيالًا، وفتحت أبوابها للبنين والبنات، واحتضنت الرياضة والثقافة والفنون، وخرج من مقاعدها الطبيب والمهندس والمعلم والقائد، تستحق أن نتعامل معها باعتبارها إرثًا تربوياً واجتماعياً يجب الحفاظ عليه.
نداء أخير... وأمانة في أعناقكم
يا أبناء المنصورة والرباط الأوفياء، في الداخل والخارج...
يا رجال الخير والإحسان...
يا أبناء مكاتب اليهري والسعدي واليزيدي...
يا كل من جلس يوماً على مقعدٍ خشبي في هذه المدرسة، ، أو ركض في ساحتها، إن المدرسة التي احتضنت أحلامكم بالأمس، تحتاج اليوم إلى أن تحتضنوها أنتم.
ولهذا، فإنني أناشدكم:
1) أعيدوا إليها عافيتها، وأصلحوا نوافذها وأبوابها وفصولها، واحفظوا ما بقي من مبناها التاريخي. واعملوا على التوسع الراسي للمبنى ليصبح مجمع دراسي للمنطقه بما تعنيه الكلمه من معنى.
2) أغيثوا معلميها.
ارفعوا صوتكم للمطالبة بسد العجز في الكادر التعليمي، ودعم المدرسة بالمعلمين في التعليم الأساسي والثانوي، ولو بالحلول المؤقتة والتعاقدية إلى أن تُعالج المشكلة بصورةٍ دائمة؛ فـ لا تعليم بلا معلم، ولا مستقبل بلا تعليم.
3). أعيدوا إليها روحها.
أعيدوا النشاط الثقافي والرياضي، وأحيوا ملعبها وساحاتها، وأعيدوا للمدرسة ذلك الصخب الجميل الذي كان يعلن أن الحياة هنا لا تتوقف عند حدود الكتاب والدفتر.
4). أنقذوا التعليم الثانوي.
اجعلوا للمرحلة الثانوية مبنىً مستقلاً يليق بأبنائنا وبناتنا، حتى لا يبقى التوسع التعليمي عبئاً على التعليم الأساسي، وحتى تستطيع المدرسة أن تستعيد دورها كاملاً في خدمة المنطقة.
أحيوا نشاطها قبل أن تخفت روحها.
واجعلوا من تاريخها العريق نقطة انطلاقٍ لمستقبلٍ أجمل.
لا تجعلوا نصف قرن من العطاء ينتهي إلى مجرد ذكريات يرويها لكم كبار السن٠٠٠
ولا تسمحوا أن يصبح تاريخ المدرسة أجمل من حاضرها٠٠٠!
ولعل أجمل الوفاء لمن تعلّمنا فيه أن نردّ إليه شيئًا من الجميل.
هذه ليست صرخة معلمٍ متقاعد فحسب؛ إنها شهادة جيل، ونداء ذاكرة، وأمانة وطنية وتربوية.
الأستاذ/ طاهر حنش احمد سعيد
تربوي متقاعد