في غمرة الدَّم الذي غمر الجبال والصحار، ورائحة البارود التي التصقت بالذاكرة كندوبٍ لا تبرأ، لم أجد لنفسي مَلاذا إلا ذلك الصديق الأخضر. لم يكن القاتُ أوراق ندية طرية، إنما كان حبل النجاة الذي أمسكت به كي لا أنساق في دوَّامة العدم.
لقد حوَّلني الدمارُ الخارجي إلى شظايا، فجئتُ إلى مجلس القات كي ألملم أشلائي، وأعيد تشكيل ذاتي بين أناملي، ورذاذٍ يتطاير من فمي كالرصاص، لكنه لا يقتل سوى اليأس.
هنا، في هذا الزَّواء، أبني مملكتي الخاصة بجدران من صمت الحكماء وسقف من همسات الذكريات، حيث يهرب شرر الحرب من عينيّ وتتلبسني سكينة غريبة وأنا أضع الأوراق في فمي بعناية المحارب الذي يضع سلاحه، إنه سلاحي الذي لا يقتل أحدا لكنه يقتل الفوضى بداخلي، إنه النظام الذي أفرضه على حياة تريد الحرب أن تجعلها بلا معنى.
في عالم انكسرت فيه كل المواعيد أصبح "موعد القات" و" التخازين" حتى في جبهات القتال هو القانون الوحيد الذي لا يُنقض، أحمي هذا الموعد من غدر الزمان كما أحمي آخر بصقة حياة في جسدي. حين ينتفخ خدي بالبراعم الطرية أشعر أني ما زلت أنا، فكل شيء تغير: الديار انقلبت ركاما والوجوه غابت في غبار المعارك، لكن انتفاخ الخدّ ببقاء القات هو العلامة الوحيدة التي تؤكد أن "المولعي" ما زال قائما على ما هو عليه، كأني أقول للعالم: قد تسلبون الوطن ولكنكم لن تسلبوا القات من فمي. لقد استبدلت من فقدت بأوراق لا تفقد، فخلفت ابني وجيراني وصارت الشوارع غريبة ككوكب بعيد، فما بقي لي إلا هذا الصديق الأخضر الذي أحدثه كما أحدث روح ولدي المفقودة، يهمس لي بحكايات القرية أيام السلام وتذكرني نكهته بأيام الوحدة الجميلة لا بوحدتي القاسية اليوم.
وأحيانا وأنا أغرق في بحر من اليأس أتشبث بالقات كما يتشبث الغريق بقشة، إنه "آخر خيط يربطني بالأرض" أمسكه فيشعر جسدي أنه ما زال حيا، وأن روحي ما زالت قادرة على المقاومة. لقد تعلمت منه كيف أبتسم في وجه المصائب، كيف أجد في مرارة أوراقه حلاوة للسلو. لقد وعَدتُ نفسي: "ما دام القات موجودا، ستظل الروح مقاوِمة" فهو الوقود الروحي الذي يمنحني القوة لأواجه غدا قد يأتي بالأسوأ. لم أنتصر على الحرب ولم أغير من واقعنا المر شيئا، لكنني انتصرت بطريقتي، انتصرت بأني لم أُقتل داخليا، لقد أعطاني القات سلاحا لم تتعرفه البنادق: سلاح إعادة اختراع الذات.
حولت دمار العالم الخارجي إلى بناء عالم داخلي، قوامه الأوراق الخضراء والطقوس الثابتة والذكريات الحية، منحني شرعية للوجود فوق أرض لم تعد تصلح لشيء سوى الموت. فالقات في النهاية ليس مجرد عادة، إنها قصيدة مقاومة أكتبها كل يوم بلغة الجسد والذاكرة، إنها رقصة الوجود الأخيرة فوق حطام وطن، إنها شهادة أن الحياة تستمر حتى عندما تتوقف كل مظاهر الحياة.
مجيب الرحمن الوصابي