في زحام الحياة وشواغلها اليومية، قد تمرّ بنا مواقف بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها إشارات إيمانية وإنسانية تهز الوجدان.
من هذه المواقف، تلك الحكاية الإنسانية البليغة التي تجسد جوهر التعامل مع النفس البشرية وحقيقة التراحم بين العباد.
تتلخص القصة في سيدة راقية مؤمنة، أبصرت رجلاً مسكيناً رثّ الثياب، خفيف العقل، يجلس على هامش الطريق ويخطّ بعصاه على التراب.
لم تتجهم في وجهه، ولم تتجاهله كما يفعل الكثيرون، بل دنت منه في تواضع ولطف وسألته:
"ماذا تفعل يا رجل؟"،
فأجابها ببراءة الفطرة:*أقسم الجنة!!*
لم تسخر منه، ولم تتعامل مع حديثه بفضول جاف، بل آثرت أن تد خل السرور على قلبه الطيب، فقالت له:
"هل تبيعني قسماً منها؟"،
فقال: "نعم". فأعطته مبلغا من المال وذهبت المرضية راضية.
وفي ليلتها تلك، رأت في منامها أن لها نصيباً في الجنة جزاء ما قدمت لذلك الإنسان البسيط.
وحين استيقظت، أسرّت لزوجها بما حدث وما رأت في رؤياها. فما كان من الزوج إلا أن انطلق مسرعاً يبحث عن ذلك المسكين، طمعاً في الحصول على الصفقة ذاتها.
ولما وجده، طلب منه أن يبيعه نصيباً من الجنة كما فعل مع زوجته بالعادة والأمس، لكن المسكين فاجأه بالرفض القاطع وقال: "أنا لا أبيع الجنة!".
استغرب الرجل وسأله باستنكار: "كيف لا تبيعها وقد بعت لزوجتي بالأمس قسماً منها، وقد رأت في منامها أنها في الجنة بفضل ما اشترته منك؟!".
وهنا جاء الرد البليغ الذي يلخص الفلسفة الإيمانية العميقة: قال المسكين:
"هي لم تشترِ الجنة.. وإنما اشترت خاطري! جبرت خاطري، والجنة لا ثمن لها!".
إن في هذا الرد حكمة بالغة تدق أبواب القلوب؛ فالمرأة لم تتعامل مع المسكين بمبدأ البيع والشراء أو التجارة المادية، بل تعاملت بمبدأ "جبر الخواطر" والإحسان إلى المستضعفين. أدركت بقلبها الصافي أن الأدب مع الإنسان والتلطف مع آلامه وأوهامه القاسية هو أقصر الطرق إلى رحمة الله وفضله.
أما الزوج، فقد جاء يحمل منطق الحسابات والأطماع المادية المجردة، أراد أن يشتري الأجر كما يُشترى المتاع، فغاب عنه المعنى الجوهري للعمل الصالح.
إن جبر الخواطر خلق إسلامي وإنساني رفيع، لا يتطلب إمكانات هائلة ولا أموالاً طائلة، بل يتطلب قلباً حياً وشعوراً صادقاً بالآخرين.
كلمة طيبة، ابتسامة صادقة، أو التفاتة حانية لإنسان أثقلته الأيام، قد تكون هي السبب الأساسي في نيل رضا الخالق ودخول جناته.
فلتكن معاملاتنا قائمة على إحياء الأمل في نفوس أرهقها العناء، وليكن زادنا في هذه الحياة تتبع مواطن الخواطر المنكسرة لنجبرها، فرب عمل صغير تعظمه النية، ورب درهم سبق ألف درهم.. وثمن جبر الخواطر دائماً وأبداً..هو الجنة.!!