آخر تحديث :الخميس-17 سبتمبر 2026-11:58ص

ألا نستحق أن نعيش مثل الأمم؟

الخميس - 17 سبتمبر 2026 - الساعة 08:04 ص
نبيل المنصوري


أحيانًا أسأل نفسي سؤالًا بس

يطًا، لكنه يؤلمني كثيرًا:


ألا نستحق أن نعيش مثل بقية الأمم؟


ألا نستحق أن نستيقظ صباحًا ونحن نفكر في مستقبل أبنائنا، لا

في صوت الحرب؟

ألا نستحق كهرباء مستقرة، وماءً نظيفًا، ومستشفى يحفظ كرامة المريض، ومدرسة تمنح أبناءنا الأمل، وطريقًا آمنًا يصل بين المدن والقرى؟

بلد يمتلك شعبًا عظيمًا، وأرضًا غنية، وتاريخًا عريقًا، لكنه مع ذلك يعاني من ألا نستحق دولة تحمي المواطن وتخدمه، بدل أن يبقى المواطن يبحث عن أبسط حقوقه؟


أنا يمني، وأعيش في بلد أنهكته الحروب والفقر والفساد لسنوات طويلة.

أبسط مقومات الحياة.


ننظر حولنا فنجد الخدمات الصحية في تراجع، والكهرباء لا تستقر، والمياه شحيحة في كثير من المناطق، والتعليم يواجه أزمات متراكمة، والطرقات تحتاج إلى إصلاح، بينما يعاني المواطن من الغلاء وضيق المعيشة.


والمؤلم أكثر أن الإنسان اليمني لم يعد يطلب الرفاهية.


نحن لا نطلب المستحيل.


نريد فقط حياة طبيعية.


نريد أن يعمل أبناؤنا، وأن يتعلموا، وأن يجد المريض مستشفى يحميه، وأن تصل المياه إلى البيوت، وأن تأتي الكهرباء دون أن تكون مناسبة ننتظرها ونفرح بها، وأن نسافر بين مدن بلادنا عبر طرق آمنة ومعبدة.


لقد سافرت إلى أحدى الدول العربية، ورأيت بأم عيني كيف يمكن للدول

ة أن تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الإنسان.


رأيت طرقًا منظمة، وخدمات تعمل، ومستشفيات ومدارس، ومدنًا تتطور عامًا بعد عام.


وعندما عدت إلى بلدي، لم أشعر بالغيرة من تلك الشعوب، بل شعرت بالحسرة على بلدي.


قلت في نفسي:


إذا كان الإنسان هناك يستطيع أن يعيش بهذه الخدمات، فلماذا لا يستطيع الإنسان اليمني أن يعيش حياة كريمة في وطنه؟


هل ينقص اليمن الإنسان؟


لا.


فاليمنيون في كل مكان يثبتون أنهم قادرون على النجاح والإبداع، وعندما تتاح لهم الفرصة، يثبتون أنفسهم في الجامعات والمستشفيات والشركات والمؤسسات في مختلف دول العالم.


وهل ينقص اليمن التاريخ؟


لا.


فهذه أرض الحضارات، وأرض سبأ وحمير، وأرض الإنسان الذي عرف الزراعة والتجارة وبناء السدود قبل قرون طويلة.


وهل ينقص اليمن الموارد؟


لدينا ما يكفي من الإمكانات التي يمكن أن تكون أساسًا لبناء وطن أفضل إذا أحسنّا إدارتها واستثمرناها لمصلحة الناس.


إذن، أين المشكلة؟


المشكلة ليست في المواطن اليمني الذي صبر كثيرًا، ولا في أحلامه الصغيرة التي لم تعد تتجاوز الحصول على خدمة أساسية.


المشكلة في سنوات طويلة من الصراع، وفي ضعف مؤسسات الدولة، وفي الفساد وسوء الإدارة، وفي غياب التخطيط والمحاسبة،

وفي تحويل بعض الموارد والمناصب من مسؤولية لخدمة الناس إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية.


لكن رغم كل ذلك، لا أريد أن أفقد الأمل.


لأن اليمن ليست مجرد أزمة.


اليمن وطن يستحق أن ينهض.


ويستحق أبناؤه أن يعيشوا مثل بقية شعوب العالم، لا لأنهم أفضل من غيرهم، وإنما لأن الكرامة الإنسانية حق لكل إنسان.


نريد أن يأتي اليوم الذي لا يسأل فيه الأب: كيف سأوفر لابني العلاج؟

ولا تسأل فيه الأم: متى تأتي الكهرباء؟

ولا يضطر فيه الشاب إلى مغادرة وطنه بحثًا عن فرصة عمل.

ولا تصبح الهجرة حلمًا، ولا البقاء في الوطن معاناة.


نريد وطنًا تكون فيه الوظيفة مسؤولية، والمنصب أمانة، والمال العام حقًا للشعب، والخدمة العامة واجبًا لا منّة.


نريد مسؤولًا ينظر إلى المواطن بعين المسؤولية، لا بعين السلطة.


نريد أن تصبح التنمية مشروعًا وطنيًا، وأن تكون المدارس والمستشفيات والطرق والمياه والكهرباء أولويات حقيقية، لأن بناء الإنسان والدولة أهم من أي شيء آخر.


لقد تعب اليمنيون من الحروب، وتعبوا من الفقر، وتعبوا من الانتظار.


وحان الوقت لأن نسأل بصوت واضح:


إلى متى؟


إلى متى يبقى المواطن اليمني يدفع ثمن صراعات لم يخترها؟


إلى متى تبقى الخدمات الأساسية حلمًا؟


إلى متى يبقى الوطن غنيًا بتاريخه، فقيرًا في واقعه؟


إننا لا نريد أن نعيش أفضل من الآخرين، ولا نريد أكثر مما يستحقه الإنسان.


نريد فقط أن نعيش مثل الأمم.


نريد وطنًا يحترم الإنسان، ويحفظ كرامت

ه، ويمنح أبناءه فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.


وأنا، رغم كل ما رأيته من معاناة، ما زلت أؤمن أن اليمن قادر على النهوض.


فالشعوب لا تبقى إلى الأبد أسيرة الحروب والفقر.


وقد يأتي يوم ينظر فيه أبناؤنا إلى هذه السنوات باعتبارها مجرد فصل مؤلم من تاريخ اليمن، ثم يقولون:


كان آباؤنا يحلمون بوطن أفضل... ونحن اليوم نعيش ذلك الحلم.

لا يبحثون عن الحياة خارج اليمن، وإنما يجدون الحياة الكريمة هنا، في وطنهم، بين أهلهم، وعلى أرضهم.


نبيل المنصوري المنصوري