آخر تحديث :الخميس-17 سبتمبر 2026-11:58ص

حين ينتصر القانون للإنسان

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - الساعة 10:52 م
وجدي محمود غلام


تُروى في أروقة العدالة قصة—ربما تكون واقعية بحذافيرها، وربما شابتها تفاصيل المبالغة—عن قاضية أُحيل إليها ثلاثة شبان مسلمين بعد إدانتهم بدخول كنيسة والتسبب في تخريبها. وبدلاً من أن تكتفي بإصدار حكم تقليدي يقودهم إلى خلف القضبان، اختارت أن تجعل من موقعها فرصة للإصلاح والتغيير وزرع التسامح. وبحسب ما يتداوله الناس، قَضَت بأن يحفظ الشبان سورة من القرآن الكريم تكرّس التعايش وتجلل مكانة السيد المسيح وأمه العذراء، بدلاً من قضاء فترة العقوبة في السجن.


​بعيداً عن مدى دقة القصة أو تفاصيلها، فإن القيمة الحقيقية لها تكمن في السؤال الجوهري الذي تطرحه: هل وظيفة العدالة أن تعاقب الإنسان فقط، أم أن تمنحه أيضاً فرصة للعودة إلى الطريق الصحيح؟


​القانون وُجد لحماية المجتمع، وردع الجريمة، وإنصاف المظلوم، لكنه لا يفقد روحه الإنسانية عندما يُطبَّق بحزم. بل إن قوة القانون الحقيقية تظهر حين يستطيع أن يجمع بين الصرامة والرحمة، وبين حماية المجتمع وإصلاح المخطئ.


​فالسجن قد يكون ضرورة في بعض الجرائم، لكنه ليس دائماً الحل الوحيد. هناك حالات يكون فيها الإصلاح أكثر فائدة للمجتمع من العقاب، خصوصاً عندما يكون الإنسان أمام فرصة حقيقية لمراجعة نفسه وتصحيح سلوكه.


​العدالة العمياء ليست عدالة قاسية، وإنما عدالة لا تفرق بين الناس بسبب دينهم أو أصلهم أو مكانتهم. وفي المقابل، فإن روح القانون لا تعني تعطيل القانون أو التساهل مع الجريمة، بل تعني فهم الغاية التي وُضع القانون من أجلها.


​وفي مجتمعات أنهكتها الحروب والصراعات والانقسامات، نحن بحاجة إلى عدالة تعيد بناء الثقة، لا إلى عدالة تزيد الخصومة. بحاجة إلى قاضٍ يرى خلف ملف القضية إنساناً يمكن إصلاحه، وإلى قانون يحمي الضحية، ويردع الجاني، لكنه لا يغلق باب التوبة والإصلاح أمام من يستحق فرصة جديدة.


​وفي اليمن، حيث تراكمت المظالم وتراجعت الثقة بالمؤسسات، تبدو الحاجة أكبر إلى استعادة هيبة القانون وعدالته وروحه الإنسانية. فلا دولة بلا قانون، ولا قانون بلا عدالة، ولا عدالة حقيقية إذا تحولت النصوص إلى أدوات للانتقام.


​العدالة ليست أن نكسر الإنسان بسبب خطئه، وإنما أن نمنع الخطأ من أن يتحول إلى مستقبل دائم؛ فالغاية من القانون ليست كثرة المعاقَبين، بل قلة المظالم، وإصلاح المجتمع، وحماية الإنسان.