بقلم: محمد أحمد بالفخر
مازلت أتذكر وأنا طفل صغير قبل سنّ الدراسة أرسل أبي رحمه الله، المغترب حينها في جده هدايا لنا مع أحد المسافرين القادمين من هناك ومن ضمنها مصحف جزء عمّ والذي تليه القاعدة البغدادية تعلّم حروف الهجاء، وكنت أحمل هذا المصحف وأذهب إلى المسجد وأطلب من أحد الأشخاص اللي يا دوب يفكّ الخط ليعلمني قراءة الحروف،
وما هي إلاّ فترة وجيزة حتى تعلّمتها ثم بدأت تعلّم سور القرآن الفاتحة وبقية سور جزء عم من خلال الحلقة القرآنية الرمضانية في المسجد،
التحقت بعدها بالمدرسة والتي كانت تبعد عن قريتنا حوالي عشرة كيلو متر نذهب اليها مشياً على الأقدام وإذا أعطوني أهلي الحمار ذات يوم لأذهب عليه إن لم يكن لهم به حاجة فكأنني ركبت سيارة مرسيدس في هذا الزمن،
وأنا في الصف الثاني الابتدائي نبهنا أحد المدرسين أن من وجد في نفسه الاستطاعة على القراءة فإن مكتبة المدرسة ممكن تعيركم أي كتاب شريطة المحافظة عليه،
فذهبت أليهم فقال أمين المكتبة أن سنك صغير على الكتب الكبيرة لكنه أعارني كتيبين تنفع للصغار من هم في سني أحدهما قصة سيدنا يوسف عليه السلام والثاني قصة أصحاب الأخدود فكانا أول قراءاتي،
ثم وجدت كتاباً في بيت خالي رحمه الله وكان يتحدث عن قصة الحسين عليه السلام وتلك الخاتمة المأساوية التي جرت له في كربلاء،
ثم حصلت عند ابن عمي على عدد من أعداد مجلة العربي الكويتية والتي كانت دسمة بمواضيعها وتوثقت علاقتي بها لدرجة أنني عندما وصلت إلى جده مع والدي رحمه الله كنت أتابعها وأشتريها شهرياً وأذكر أن قيمتها كانت ريالين سعودي، وبعدها بحثت عن أعدادها القديمة فوجدت بعضها واشتريتها،
تلك كانت البدايات المتواضعة للقراءة وأنا طفل صغير ووفق الإمكانيات المتاحة لدينا في ذلك الوقت،
هذا كله بعد مجيئي إلى جده والتحاقي بالمدرسة من الصف السادس الابتدائي وكنت أعمل أيضاً مع الوالد رحمه الله في بقالته الصغيرة وكنت أشتري بعض الصحف والمجلات المصرية من المكتبة القريبة من بقالتنا، وشدّني ذات يوم أن قرات في احداها مقالاً عن الأديب العربي الحضرمي علي احمد باكثير في ذكرى وفاته رحمه الله مما جعلني فيما بعد أشتري كل رواياته ومسرحياته التي تجاوزت السبعين،
وهنا أيضا أتذكر سيدة فاضلة كانت تسكن في نفس العمارة التي فيها بقالتنا وكانت دائما تشتري ما تحتاجه من عندنا وكانت كلما تجيء تشوفني ماسك مجلة أو صحيفة قالت يا ولدي أنا كل يوم زوجي يجيب كل الصحف من العمل وانا أقراها وسأعطيك إياها اليوم الثاني فرحت أيما فرح بأمرٍ كهذا فجزاها الله خيراً ورحمها الله إن كانت قد غادرت دنيانا الفانية، فقد فتحت ليّ باباً من أبواب الاطّلاع دونما تكاليف،
تلك كانت اجتهادات مرحلة الطفولة الجميلة،
ثم جاءت مرحلة الشباب بما فيها من منعطفات متعددة العمل والزواج ومسؤولية الأسرة والأولاد ومشاغل كثيرة لكنني بفضل الله لم أترك القراءة، قد تمر فترة زمنية لا أقراء فيها لكنني كنت زبون دائم للمكتبات ومعارض الكتاب اشتري ما أستطيع وفق الإمكانيات المادية المتاحة، حتى أن كثيراً من الكتب اشتريتها ولم يحن وقت قراءتها بعد،
وقرأت مرة تحقيقاً عن أحد القادة السياسيين ومحسوب من المثقفين في اليمن وأن في مكتبته الخاصة ما يزيد عن عشرة الاف كتاب فقلت في نفسي لابد أن أتجاوز هذا الرقم إن شاء الله،
وبشكل عام وغالباً ما يكون الكتاب مرافقاً لي في حركتي في البيت في سفري في انتظار دوري في العيادات أحمله معي أو بالأصح لا يفارقني، وأصبحت الآن نادماً أشد الندم على أوقات كثيرة ذهبت هباءً لم أجعل للقراءة فيها نصيب،
ودائماً أتذكر ما قاله أبو الطيب المتنبي الكندي
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ
وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
فهذه المقولة الخالدة للشاعر الكِندي أبي الطيب تعكس قيمة الكتاب الذي لا يفنى والذي ينبغي ألا يفارقك بحالٍ من الأحوال،
ويُعد خير رفيق يوسع المدارك، وينمي العقل، ويأخذ القارئ في رحلة عبر الزمن دون عناء؛ فكما قال الجاحظ عنه:
"هو الجليس الذي لا يُطريك،
والصديق الذي لا يُغْريك"
وسيتجدد لقائنا بإذن الله.