في ظل التحولات التي تمر بها مؤسسات المجتمع المدني والمهنية في عدن، يتجدد صوت المحامين والمحاميات مطالبين بنقابة حرة القرار، بعيدة عن الاصطفاف والتجاذب السياسي التي أنهك الأطر المهنية والنقابية بشكل كبير جدا. فاستقلالية نقابة المحامين ليست خيارًا تنظيميًا ثانويًا، بل هي ضمانة أساسية لدورها الدستوري في الدفاع عن المحامين وصون استقلال المهنة، وحماية العدالة من أي توظيف أو تجيير لصالح جهة أو جماعة.
إن النقابة القوية هي التي تمثّل كل أعضائها بلا استثناء أو تمييز، وتتحرك بقرارها المهني الحر المعبر عن إرادة حرة أساسها المصلحة العامة للمحامين جميعا، وهذا ما يجب أن يكون معيارًا حاسمًا عند اختيار قيادتها القادمة.
ولا تقل أهمية الاستقلالية عن ضرورة إصلاح البيئة الداخلية للنقابة ومنع ظاهرة تعاطي القات، التي أدت إلى عزوف الكثير من المحاميات من زيارة مقر النقابة، الذي يكرّس صورة نمطية تسيء للمحامين والمحاميات الجادين.
إن إعادة الاعتبار لبيئة عمل مهنية منضبطة، ترفع من شأن الإنتاجية والحضور القانوني الجاد، وهي خطوة لا بد منها لاستعادة هيبة المهنة. كما يجب أن تفتح النقابة الباب على مصراعيه أمام طاقات المحامين الشباب، عبر تفعيل حقيقي للأنشطة القانونية والتدريبية الموجهة لهم، وضمان مشاركتهم في التمثيل الخارجي للنقابة عبر ترشيحات تحكمها معايير واضحة وعادلة تكفل تكافؤ الفرص، وتضمن تمثيلًا منصفًا للنوع الاجتماعي بين المحامين والمحاميات على حد سواء، بعيدًا عن المحسوبية أو الإقصاء، والاستفادة من الخبرات القانونية من المحامين والمحاميات في نقل المعارف والتجارب للشباب وخلق جسر تواصل متين بين الأجيال القانونية.
كما تحتاج النقابة إلى استعادة دورها الريادي في الفضاء القانوني والمجتمعي، من خلال إقامة مؤتمرات وندوات قانونية دورية بشراكات محلية فاعلة مع الجهات القضائية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني، بما يعزز حضورها الفكري والمهني ويخدم قضايا العدالة في عدن والمحافظات المحررة. كما يتوجب على النقابة أن تكون خط الدفاع الأول عن حقوق المحامين والمحاميات جميعًا، أثناء وبسبب عملهم، وضماناتهم المهنية والاجتماعية، وحمايتهم من أي انتهاك يطال استقلالهم في أداء رسالتهم الدفاعية، دون تمييز أو استثناء، بما يكرّس مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات في إطار عمل النقابة. ومن أولويات هذا الدور استعادة المكانة اللائقة للمحامي والمحامية أمام جميع الجهات، وفرض الاحترام الكامل لحقوقهم الدستورية والقانونية المكفولة بموجب قانون تنظيم مهنة المحاماة، في مقدمتها حصانة المحامي أثناء أداء عمله وعدم جواز التعرض له بالإيقاف أو التفتيش أو الاحتجاز بسبب ممارسته لمهنته. وأي تجاوز يصدر بحق محامٍ أو محامية من قبل جهات إنفاذ القانون يجب أن يُقابَل بموقف نقابي حازم وفوري، يوظّف كل الأدوات والإجراءات القانونية المتاحة للدفاع عن الزميل أو الزميلة المتضررين ورد اعتبار لهم، لأن كرامة المحامي الواحد من كرامة المهنة كلها، والتهاون في الدفاع عنها تفريط في هيبة النقابة ذاتها.
ولا يمكن لنقابة تطمح إلى مواكبة عصرها أن تظل بمعزل عن مسار التحول الرقمي الذي بات يعيد تشكيل ممارسة المهن القانونية عالميًا وإقليميًا ومحليًا؛ فالمطلوب اليوم نهج تدريجي ومدروس لإدخال التقنية في العمل النقابي والمهني، عبر بناء قدرات المحامين والمحاميات في استخدامات الذكاء الاصطناعي وأدواته البحثية والتحليلية، وتأهيلهم في إجراءات التحقيق في الجرائم السيبرانية، والأدلة الرقمية وقيمتها أمام القضاء وفق أصول علمية وقانونية سليمة.
إن هذا التأهيل لم يعد كماليًّا، بل ضرورة لضمان قدرة المحامي على مجاراة طبيعة القضايا المستحدثة والدفاع بكفاءة عن موكليه في بيئة رقمية متسارعة التغير.
وفي صميم هذا التوجه، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة صياغة عقد العلاقة بين النقابة والسلطة القضائية على أساس التكامل الوظيفي، والاحترام المتبادل لموقع كل طرف ودوره في تحقيق العدالة، والالتزام المشترك بسيادة القانون باعتباره المرجعية العليا التي تحتكم إليها الأطراف دون استثناء. فالمحاماة شريك أصيل في منظومة العدالة، وأي علاقة لا تقوم على هذا الأساس ستظل مبتورة ومنقوصة الأثر.
إن هذه الرؤية بكل ما تحمله من مطالب متكاملة ومترابطة، ليست شعارات عابرة تُطلق في هذا الموسم الانتخابي ثم ستُنسى، بل يجب أن تكون عهدًا وميثاق عمل حقيقي أمام كل محامٍ ومحامية في عدن، وطريق واضح المعالم نحو نقابة مستقلة القرار، منضبطة البيئة، متجددة الأدوات، عادلة التمثيل، تليق بمكانة مهنة المحاماة وتُجسّد على أرض الواقع الأهداف التي نص عليها قانون تنظيم مهنة المحاماة في صون استقلال المهنة وتعزيز دورها الفاعل في خدمة العدالة والمجتمع.