آخر تحديث :الخميس-01 أكتوبر 2026-02:37ص

التأمينات الاجتماعية في عدن خمسة أشهر ترسم ملامح مرحلة جديدة

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - الساعة 05:27 م
نجيب الكمالي


قبل أيام، كتبتُ عن الانسجام الذي لمسته بين رئيس المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية الأستاذ عبدالحكيم الحياني ونائبه الدكتور حاتم باسردة، وقلت إن هذا الانسجام يمكن أن يكون بداية لعمل مؤسسي أفضل.

وخلال لقاءاتي بهما ومتابعتي للعمل، بدأت الصورة تتضح أمامي أكثر. لفتني في الحياني أنه يستمع للموظف بهدوء، ويتركه يشرح مشكلته، ثم يعود إلى التفاصيل ويبحث عن أصل المشكلة وما يمكن إنجازه خلال فترة قصيرة، بينما وجدت باسردة حاضرًا في التفاصيل، يتابع ويناقش ويبحث عن الحلول، ويتعامل مع العمل التأميني بحضور وكأنه يعمل فيه منذ سنوات.

وأرى أن قوة الرجلين في تكامل خبرتهما؛ فالحياني يمتلك خبرة طويلة في العمل الإداري، ويعرف طبيعة الموظفين والعمل، بينما يأتي باسردة بخلفية أكاديمية في الإدارة والاقتصاد، وحضور نشط ومتابعة للتفاصيل. ومع توجيه ومسؤولية وزير الخدمة المدنية والتأمينات ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الأستاذ سالم أبو بكر ثابت العولقي، يمكن لهذا التكامل أن يدفع المؤسسة نحو مرحلة أكثر استقرارًا وتنظيمًا.

وبعد خمسة أشهر، بدأت الأولويات تتضح. ومن خلال حديث رئيس المؤسسة، الأستاذ عبدالحكيم الحياني، فهمت أن تمكين الكفاءات وإعادة ترتيب مواقعها وأدوارها ستكون من الخطوات القادمة القريبة؛ فالمؤسسة، كما أراها، لا يمكن أن تتقدم بالمسميات وحدها، وإنما بالكفاءة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ومنحه الثقة والصلاحية التي تمكنه من أداء دوره.

وهذا بالنسبة لي أمر مهم، لأن السنوات الماضية تركت فراغًا إداريًا في عدد من الإدارات العامة، وأثرت في حضور بعض الكفاءات ودورها. واليوم بدأت العجلة تتحرك من جديد، وبدأت روح العمل تعود تدريجيًا.

بدأنا نرى عودة للتفتيش، وبدأ صوت التوعية يرتفع من بعيد، بعد سنوات من الهدوء، وبدأت محاولات معالجة الفراغ الإداري وإعادة ترتيب العمل. وهذه ليست تفاصيل صغيرة بالنسبة لمؤسسة تقوم مسؤوليتها في الأساس على حماية حقوق العاملين وأصحاب المعاشات والمستحقين.

وباسردة، من خلال حديثه عن التوعية، ينظر إلى المسألة من زاوية أوسع. فالتوعية لا ينبغي أن تكون مجرد نشاط إعلامي، وإنما طريقًا لتقليل التهرب التأميني، وتعريف العامل وصاحب العمل بالحقوق والالتزامات. والتفتيش لا يمكن أن يعمل بمعزل عن التوعية والتنسيق مع الجهات الحكومية، وصولًا إلى تفعيل البطاقة التأمينية كشرط أساسي في التعاملات التي تستدعي ذلك.

أما الحياني، فكان واضحًا في حديثه أن المؤسسة تحتاج أيضًا إلى التفكير في مواردها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، ومن ذلك الاستثمار المسؤول لأموال المؤمن عليهم، بما يحافظ عليها وينميها. وهذه مسؤولية كبيرة، لأن هذه الأموال ليست مجرد أرقام في حسابات، وإنما حقوق ترتبط بمستقبل آلاف العاملين وأسرهم.

وفي التأمينات، يظل المؤمن عليه هو محور العمل. لا يعنيه اسم المسؤول بقدر ما يعنيه أن يصل إلى حقه في الوقت المناسب. يريد أن يعرف أن اشتراكه محفوظ، وأن سنوات عمله لن تضيع، وأن حقه سيصل إليه عند التقاعد أو العجز عن العمل، وأن أسرته لن تكون وحدها أمام الظروف عند وفاته، لا قدر الله.

خمسة أشهر لا تكفي للحكم على تجربة كاملة، لكنها تكفي لأن نرى كيف بدأت العجلة تتحرك، وكيف بدأ التفتيش يستعيد حضوره، وكيف بدأ صوت التوعية يرتفع من بعيد، وكيف بدأت الكفاءات تستعيد مكانها في العمل.

أجد أن هذه البدايات تستحق الإشادة، لا لأنها تقول إن المهمة انتهت، بل لأنها تشير إلى أن هناك عملًا بدأ، وأن المؤسسة تستعيد شيئًا من روحها بعد سنوات من التوقف.

وربما أجمل ما في البدايات أنها لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن ترى الحركة تعود، والكفاءة تجد طريقها، والعمل يستعيد حضوره، لتشعر أن القادم يمكن أن يكون أفضل.