آخر تحديث :الخميس-01 أكتوبر 2026-02:37ص

حين يصبح الإعلام طريقًا إلى الوعي التأميني

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 05:52 م
نجيب الكمالي


خلال السنوات التي قضيتها في العمل التأميني والإعلامي، وصلت إلى قناعة بسيطة: لا يمكن للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية أن تحمي عمال القطاع الخاص والمختلط وتحافظ على حقوقهم إذا لم نعرّفهم أولًا بهذه الحقوق.

التأمينات الاجتماعية ليست مادة قانونية تُقرأ ثم تُغلق، ولا معاملة تنتهي بختم على ورقة. هي حياة ناس، وسنوات من العمل، ومستقبل عامل قد يأتي يوم يحتاج فيه إلى ما دفعه خلال سنوات عمله.

فحين يصبح الإعلام طريقًا إلى الوعي التأميني، لا تعود المعلومة مجرد خبر، بل تتحول إلى معرفة، والمعرفة إلى قناعة، والقناعة إلى حماية حقيقية للعامل ومستقبل أسرته.

ومن خلال ما عايشته في العمل، وجدت أن كثيرًا من الناس لا يرفضون التأمينات الاجتماعية بقدر ما يجهلون قيمتها. وأحيانًا لا تكون المشكلة في صاحب العمل نفسه، وإنما في الطريقة التي تصل بها المعلومة إليه. فإذا شرحت له التأمين بلغة بسيطة، وربطته باستقرار منشأته واستمرار العمل فيها، سيدرك أنه لا يحمي العامل فقط، بل يصنع لنفسه أيضًا بيئة عمل أكثر استقرارًا وتحفيزًا على مزيد من العمل والإنتاج.

وفي الوقت نفسه، تصل الرسالة إلى العامل بأن التأمينات ليست مجرد خصم من راتبه، وإنما حق من حقوقه التي ينبغي أن يعرفها ويطالب بها لدى صاحب العمل، لأنها تحميه وتحمي أسرته ومستقبله.

وهذا ما لمسته في أحد النزولات الميدانية قبل سنوات. كنا نلتقي بالعمال وأصحاب الأعمال، ونتحدث معهم عن أهمية التسجيل في التأمينات الاجتماعية، وما يعنيه ذلك من حماية للعامل وضمان لمستقبله. وكان أحد العمال يتعامل مع الموضوع في البداية باعتباره مجرد إجراء إضافي لا أكثر، ولم يكن يرى ما وراء الورقة.

بدأنا نتحدث معه عن المستقبل. ماذا لو لم يعد قادرًا على العمل؟ ماذا يحدث عندما يبلغ سن الشيخوخة؟ وماذا عن أسرته إذا رحل، لا قدر الله؟ شيئًا فشيئًا تغيرت طريقة حديثه، وبدأ يسأل عن حقوقه.

في تلك اللحظة تذكرت المثل الشعبي الذي نعرفه جميعًا: «قرشك الأبيض ليومك الأسود». طرحته على العمال، ولم أتوقع أن يترك فيهم هذا الأثر. أخذ النقاش منحى مختلفًا، وشعرت بحماسهم وهم يؤكدون أن العامل لا يمكن أن يعمل من دون تأمينات اجتماعية تحفظ له حقه وتحمي مستقبله.

قلت في نفسي إن هذا المثل، رغم بساطته، يختصر جانبًا مهمًا من فكرة التأمينات. فالإنسان لا يعرف ما تخبئه له الأيام، لكنه يستطيع أن يحافظ على جزء من حقه اليوم، حتى يجده سندًا له عندما يحتاج إليه.

ومن هنا أدركت أكثر أهمية أن تصل هذه الفكرة إلى الناس عبر الإعلام، لا أن تبقى محصورة في الميدان أو داخل المكاتب. فالكلمة البسيطة التي تشرح للعامل حقه، أو توضح لصاحب العمل مسؤوليته، يمكن أن تكون بداية لتغيير حقيقي في طريقة النظر إلى التأمينات.

فالعامل يدفع اليوم 6% من أجره، إلى جانب 9% يتحملها صاحب العمل. وقد لا يشعر بأهمية هذه النسبة وهو يستلم راتبه، لكن معناها الحقيقي يظهر عندما يحتاج إلى الحماية التأمينية؛ عند العجز، أو بلوغ سن الشيخوخة، أو عندما تحتاج أسرته إلى حقوقه بعد رحيله.

وهنا تحديدًا بدأت أرى الوعي التأميني بصورة مختلفة. ليس المطلوب أن يصبح العامل خبيرًا بالقوانين واللوائح، وإنما أن يعرف أن وراء هذا الاشتراك حقًا له، وأن يفهم لماذا يدفعه وماذا يمكن أن يعني له ولأسرته في المستقبل.

وللأسف الشديد، وعلى الرغم من أهمية هذا العمل، لم تكن القيادات السابقة تدرك أهمية الجانب التوعوي بالشكل الكافي خلال فترة من الزمن، إلى أن جاء تعيين قيادة جديدة ممثلة بالأستاذ عبدالحكيم الحياني رئيسًا، والدكتور حاتم علي باسردة نائبًا للرئيس، وبناءً على توجيهات الأستاذ سالم أبوبكر ثابت العولقي، وزير الخدمة المدنية والتأمينات ورئيس مجلس الإدارة، بدأ الاهتمام بهذا الجانب يتعزز ويأخذ مساحة أكبر من الحضور.

ومن هنا جاء نقاشي مع الدكتور باسردة، حين استدعاني للحديث عن كيفية إيصال الرسالة التأمينية إلى الناس بصورة أقرب إلى واقعهم واحتياجاتهم. وخلال النقاش، تحدثنا عن ضرورة أن يتجاوز الإعلام مجرد نشر الأخبار والأنشطة، وأن يتحول إلى وسيلة تصل بالمعلومة إلى العامل وصاحب العمل بلغة يفهمانها ويشعران بأهميتها.

ومن هذا النقاش خرجنا بنتائج إيجابية، أعتقد أنها سوف تنعكس بشكل مباشر على العمل التوعوي، من خلال توسيع حضور الإعلام في إيصال الرسالة إلى العمال وأصحاب الأعمال، وتقديم المعلومة بصورة أقرب إلى واقعهم واحتياجاتهم.

فالإعلام الذي يكتفي بنقل الخبر يخبر الناس بما حدث، أما الإعلام التوعوي فيجعلهم يفهمون لماذا حدث، وما علاقته بحقوقهم ومستقبلهم.

والعامل الذي يعرف حقه يصبح أكثر قدرة على المطالبة به، وصاحب العمل الذي يفهم مسؤوليته يصبح أكثر إدراكًا لأهمية الالتزام بالتأمينات.

وأحيانًا تكون كلمة في صحيفة، أو تقرير إذاعي، أو لقاء، أو منشور واضح في وسائل التواصل الاجتماعي، كافية لفتح باب لم يكن مفتوحًا من قبل.

عامل يسمع المعلومة، فيسأل عن حقه.

وصاحب عمل يسمعها، فيراجع وضع عماله.

وهكذا تتحول المعلومة من مجرد كلام إلى وعي، ثم إلى موقف يحمي العامل ومستقبله.

لهذا لا أتعامل مع الوعي التأميني باعتباره حملة تنتهي بانتهاء أسبوع أو شهر. هو عمل مستمر، وكلما اقتربنا فيه من الناس، أصبحت التأمينات أقرب إلى وظيفتها الحقيقية في الحماية الاجتماعية.

فإذا رأى العامل الاشتراك مجرد خصم من راتبه، فلن يشعر بقيمته. أما إذا عرف أنه جزء من حماية تمتد إلى مستقبله وأسرته، فسوف ينظر إليه بعين مختلفة.

وهذا بالنسبة لي هو جوهر الوعي التأميني.

أن يعرف العامل أن سنوات عمله ليست مجرد أيام مرت وانتهت، وأن وراء سنوات عمله حقًا اسمه الأمان الاجتماعي، وهذا الحق يستحق أن يحافظ عليه، مهما كلف الأمر.