مناشدة عاجلة إلى السلطة المحلية في أبين لإنقاذ المواطن من المتاجرة بمعاناته
ليست معاناة المواطن في محافظة أبين بحاجة إلى من يشرحها؛ فهي تقف أمامه كل صباح في طابورٍ طويل، وتجلس معه تحت لهيب الشمس، وتعود معه إلى منزله مثقلة بالانتظار والقهر والعجز.
وفي العاصمة زنجبار، يبدو مشهد أسطوانات الغاز المنزلي واحداً من أكثر المشاهد إيلاماً وإثارة للغضب؛ مواطنون يصطفون لساعات طويلة تحت حرارة الصيف، ينتظرون حقاً من أبسط حقوقهم: أسطوانة غاز يطبخون بها طعام أسرهم.
لكن المؤلم أن المواطن لا يقف وحده في مواجهة الأزمة؛ بل يقف أمام سلوكيات وممارسات يقول المواطنون إنها تزيد معاناتهم وتفتح أبواباً للسمسرة والمحسوبية والتلاعب.
فبينما تصطف السيارات في طوابير تمتد لساعات، يفاجأ المواطن بأن بعض العاملين في المحطات يتجاوزون الطابور، فيتجهون إلى سيارات تأتي من خلف الصف لتعبئتها قبل من أمضوا وقتاً طويلاً في الانتظار.
وهنا يحق للمواطن أن يسأل بكل وضوح:
بأي قانون تُكسر الطوابير؟ ومن يحمي هذا التجاوز؟ ولماذا يُطلب من المواطن البسيط أن يحترم النظام، بينما يستطيع آخر أن يتجاوزه أمام عينيه؟
لقد مررت شخصياً بأربع محطات وقود في مدينة زنجبار، وشاهدت ممارسات تستحق الوقوف أمامها ومراجعتها من الجهات المختصة، لا بهدف التشهير بأحد، ولا لإدانة أشخاص بعينهم دون تحقيق، وإنما لأن كرامة المواطن وحقه في الحصول على احتياجاته الأساسية بعدالة، ليستا أمراً قابلاً للمساومة.
والأشد إيلاماً أن التلاعب ــ بحسب ما يرويه المواطنون ــ لم يعد محصوراً في محطات التعبئة، بل امتد إلى بعض محال بيع الغاز المخصصة للأحياء السكنية، حتى بات المواطن ينتظر أسطوانته أياماً طويلة، بل قد تصل المدة ــ وفق شكاوى الأهالي ــ إلى ثلاثة أسابيع.
ثلاثة أسابيع!
أيّ بيت يستطيع أن يحتمل ذلك؟
وأيّ أم تستطيع أن تدبّر شؤون أسرتها وهي لا تعرف متى ستصل أسطوانة الغاز؟
وأيّ أب يستطيع أن يواجه أبناءه حين يتحول الحصول على أسطوانة الغاز إلى معركة يومية من أجل البقاء؟
المشكلة هنا ليست في أسطوانة غاز فحسب؛ المشكلة في العدالة الغائبة عندما يصبح حق المواطن رهناً بالواسطة، أو السمسرة، أو القدرة على دفع المزيد.
إن المواطن الفقير لا يملك سيارة فاخرة ليكسر بها الطابور، ولا يملك نفوذاً يحميه، ولا يستطيع أن يفتح باباً خلفياً للحصول على حقه. كل ما يملكه هو الوقوف في الطابور، وانتظار دوره، والدعاء بأن يصل إليه نصيبه قبل أن تنفد حاجته أو ينفد صبره.
ومن هنا فإننا نوجّه هذه المناشدة إلى السلطة المحلية في محافظة أبين، وإلى الجهات الرقابية والأمنية المختصة:
لا تتركوا المواطن وحيداً أمام هذه الممارسات.
افتحوا تحقيقاً شفافاً في شكاوى المواطنين بشأن توزيع الغاز المنزلي، وراقبوا آلية التوزيع والتعبئة، وتحققوا من الكميات الداخلة والخارجة، ومن مصير الأسطوانات، ومن أسباب تأخيرها، ومن أي تجاوزات تحدث على حساب المواطنين.
ضعوا نظاماً واضحاً للطوابير، وطبّقوه على الجميع بلا استثناء.
فلا مسؤول فوق النظام، ولا تاجر، ولا صاحب محطة، ولا سمسار، ولا صاحب نفوذ.
ومن يثبت تورطه في استغلال حاجة الناس أو التلاعب بحقوقهم، فليتحمل مسؤولية فعله وفق القانون، بعيداً عن الانتقام والتشهير ودون ظلم أحد.
إننا لا نريد تصفية حسابات مع أحد، ولا نريد أن تتحول هذه الكلمات إلى اتهامات جزافية؛ وإنما نريد دولة ترى المواطن، وإدارة تسمع شكواه، ورقابة تمنع استغلال حاجته.
إن الفساد لا يبدأ دائماً من الصفقات الكبرى؛ أحياناً يبدأ من أسطوانة غاز تُحجز عن مستحقها، وطابور يُكسر أمام أعين الناس، وحق يُمنح لمن يملك الواسطة ويُحرم منه من لا يملك إلا قوت يومه.
وحين يعتاد الناس رؤية الظلم حتى يصبح مشهداً عادياً، فإن الخطر لا يكون في الفساد وحده، بل في أخذ كل واحد ما يريد بالقوة هنا يقع الفأس في الرأس، وقد شهدنا معارك دموية من أجل ذلك.
إلى ملاك المحطات والعاملين فيها، وإلى كل من يستغل حاجة الناس:
اتقوا الله في المواطن.
فأسطوانة الغاز التي ترونها سلعة تُباع وتُشترى، قد يراها أب فقير آخر أماناً لأطفاله، وقد تراها أمّ لا تملك ما تطهو به لأبنائها، وقد يكون انتظارها ساعات تحت الشمس أشد عليها من قدرتها على الاحتمال.
لا تجعلوا حاجة الناس باباً للثراء على حساب كرامتهم.
وتذكروا أن المال الذي يأتي من استغلال حاجة المقهورين لا يصنع لصاحبه مجداً، وأن دعوة المظلوم لا تحتاج إلى طابور ولا إلى واسطة كي تصل إلى السماء.
يا سلطة أبين المحلية...
لا نريد بيانات تُقرأ، ولا وعوداً تُنسى، ولا لجاناً تُشكّل ثم تختفي.
نريد إجراء واضحاً، ورقابة حقيقية، وعدالة يلمسها المواطن في حياته اليومية.
نريد أن يقف المواطن في الطابور وهو مطمئن أن دوره سيأتي، لا أن يظل واقفاً بينما تمر أمامه السيارات التي تجاوزته بالواسطة أو المال.
إن أبين ليست ملكاً لفئة، وزنجبار ليست سوقاً مفتوحة لمن يريد أن يستغل ضعف الناس.
هذه مناشدة المواطن المقهور، فهل تجد من يسمعها؟
والله من وراء القصد،
وإلى الله المشتكى.