آخر تحديث :الثلاثاء-13 أكتوبر 2026-02:46ص

اليوم… مناطق سيطرة مليشيات الحوثي أصبحت بيئة طاردة

الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - الساعة 11:10 ص
مصلح قرعة



لم تعد صنعاء كما كانت، ولم تعد صعدة وذمار وإب وغيرها من المدن اليمنية كما عرفها أهلها قبل سنوات. تغيّرت ملامح الحياة، وتبدلت أولويات الناس، وأصبح المواطن في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي يعيش بين ضغوط الفقر والخوف، وبين واقع اقتصادي خانق ومستقبل غامض لا يبدو فيه هامش كبير للحياة الكريمة.


اليوم، لم تعد المشكلة في غلاء الأسعار وحده، ولا في انقطاع الرواتب وحده، ولا في تراجع فرص العمل وحده؛ بل في منظومة كاملة جعلت من مناطق سيطرة الحوثيين بيئة طاردة للإنسان وللحياة وللاستقرار.


أصبحت بيئة طاردة لكل شيء جميل.


طاردة للتاجر الذي وجد نفسه أمام سوق مثقل بالجبايات والإتاوات والرسوم المتعددة، حتى أصبح استمرار بعض المشاريع التجارية أشبه بالمغامرة. كثيرون اضطروا إلى تقليص أعمالهم أو إغلاقها، فيما اختار آخرون الهجرة بحثًا عن مكان يستطيعون فيه ممارسة أعمالهم بعيدًا عن الابتزاز والضغوط.


وطاردة للموظف الذي فقد راتبه أو أصبح عاجزًا عن مواجهة تكاليف المعيشة المتزايدة. سنوات طويلة مرت على موظفين حكوميين وهم ينتظرون حقوقهم، بينما تتضاعف احتياجات أسرهم يومًا بعد آخر. الموظف الذي كان يعيش من راتبه أصبح يبحث عن عمل إضافي، ومن لم يجد تحول راتبه المقطوع إلى سبب مباشر في اتساع دائرة الفقر والعوز.


وطاردة للطالب الذي لم يعد التعليم بالنسبة إليه طريقًا واضحًا نحو المستقبل. فالفقر يدفع بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس والجامعات، بينما تؤدي التدخلات السياسية والأيديولوجية في العملية التعليمية إلى مخاوف أوسع بشأن مستقبل الأجيال وما يُزرع في عقول الأطفال والشباب من أفكار وانقسامات.


وطاردة للإنسان الحر الذي يريد أن يعيش دون خوف، أو يعبر عن رأيه دون أن يدفع ثمن ذلك سجنًا أو تهديدًا أو تضييقًا. وعندما يصبح التعبير عن الرأي مخاطرة، ويصبح الاختلاف سببًا للعقاب، فإن المجتمع يفقد أهم عناصر حيويته: القدرة على النقاش والنقد وتصحيح الأخطاء.


وهنا يبرز السؤال الأهم:


أي استثمار يمكن أن ينجح في بيئة اقتصادية تكثر فيها الجبايات والإتاوات تحت مسميات مختلفة؟


وأي تاجر سيغامر بأمواله في مكان لا يستطيع فيه أن يتوقع حجم الأعباء التي ستُفرض عليه؟ وأي شاب سيبدأ مشروعًا جديدًا وهو يرى أمامه مستقبلًا اقتصاديًا مجهولًا؟


الاستثمار لا يحتاج إلى المال وحده؛ يحتاج إلى قانون يحميه، ومؤسسات مستقرة، وقضاء مستقل، وبيئة يشعر فيها صاحب المشروع أن نجاحه لن يتحول إلى سبب لاستهدافه أو مضاعفة ما يُطلب منه.


أما عندما يصبح النشاط الاقتصادي هدفًا للجبايات، فإن رأس المال يبحث عن طريق آخر، ويبحث معه صاحبه عن بلد آخر أو مدينة أخرى أو فرصة أخرى.


وهكذا لا تخسر البلاد مشروعًا تجاريًا فحسب، بل تخسر معه وظيفة، ودخل أسرة، وخبرة رجل أعمال، وفرصة كان يمكن أن تتحول إلى مشروع أكبر في المستقبل.


وماذا عن التعليم؟


التعليم هو المجال الذي يُفترض أن يبقى بعيدًا عن الصراع السياسي والعسكري، لأن المدرسة والجامعة تصنعان الإنسان الذي سيحمل مستقبل البلد كله.


لكن عندما تتحول المناهج إلى مساحة لإعادة تشكيل الوعي وفق رؤية جماعة واحدة، فإن الخطر لا يعود متعلقًا بجيل واحد، بل يمتد إلى أجيال كاملة.


اليمن بحاجة إلى تعليم يبني عقلًا نقديًا، ويعلّم أبناءه احترام التنوع، وقبول الآخر، والانتماء إلى الوطن قبل أي انتماء آخر. أما تحويل التعليم إلى وسيلة للتعبئة السياسية والطائفية، فهو استثمار في الانقسام بدلًا من أن يكون استثمارًا في المستقبل.


والأخطر من الفقر الحالي أن نصنع فقرًا معرفيًا يستمر لعقود.


ثم يأتي الأمن.


فالمدن لا تُقاس فقط بعدد المباني والشوارع والأسواق، وإنما بمدى شعور الإنسان بالأمان داخلها. المدينة التي يخاف فيها المواطن من إبداء رأيه، أو من الحديث عما يراه، أو من الاعتراض على ممارسة خاطئة، تتحول تدريجيًا من مساحة للحياة إلى مساحة للصمت.


وعندما يضيق المجال أمام الإنسان داخل وطنه، يبدأ في البحث عن وطن بديل.


وهذا ما يفسر جانبًا من موجات الهجرة التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية. كثير ممن غادروا لم يغادروا لأنهم يكرهون اليمن، ولم يبحثوا عن حياة بعيدة عن أهلهم ووطنهم باختيارهم؛ وإنما دفعهم انسداد الأفق إلى البحث عن مكان يستطيعون فيه العمل والتعليم وتأمين مستقبل أسرهم والعيش بقدر أكبر من الأمان.


الهجرة في هذه الحالة ليست مجرد سفر… إنها مؤشر على فشل البيئة التي تركها المهاجر خلفه.


عندما يهاجر الطبيب، يخسر المجتمع طبيبًا.

وعندما يهاجر المهندس، يخسر خبرة.

وعندما يهاجر التاجر، يخسر رأس مال.

وعندما يهاجر الطالب، يخسر الوطن جزءًا من مستقبله.

وعندما يهاجر الشاب القادر على العمل، تخسر البلاد طاقة كان يمكن أن تسهم في بنائها.


وهكذا تصبح الهجرة نزيفًا مستمرًا للطاقات البشرية، في الوقت الذي يحتاج فيه اليمن إلى كل عقل وكل يد وكل فكرة لإعادة بناء ما دمرته الحرب.


المشكلة إذن ليست فقط في أن الناس تغادر، وإنما في لماذا تغادر، ومن الذي جعل البقاء أصعب من الرحيل؟


لقد تحولت مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، في نظر كثير من اليمنيين، إلى بيئة تدفع الإنسان دفعًا نحو الخارج؛ بيئة يزداد فيها الفقر، وتتراجع فيها الفرص، وتضيق فيها مساحة الحريات، ويصبح المستقبل أقل وضوحًا.


بيئة طاردة للحياة، جاذبة للفقر والجهل والخوف.


ومع ذلك، يبقى اليمن أكبر من أي جماعة مسلحة، وأبقى من أي سلطة مؤقتة، وأعمق من أي مشروع سياسي عابر.


قد تستطيع المليشيات السيطرة على مدينة، وقد تستطيع فرض واقع بالقوة، وقد تستطيع تعطيل حياة الناس لسنوات، لكنها لا تستطيع إلغاء حقيقة أن اليمن وطن لشعب كامل، وأن الأوطان لا تختصرها جماعة ولا تختزلها أيديولوجيا.


سيأتي يوم تتغير فيه المعادلة، ويرحل منطق المليشيا والسلاح والجباية، ويعود اليمن بحاجة إلى أبنائه جميعًا.


وعندها لن تكون مهمة اليمنيين مجرد استعادة المدن، بل استعادة الإنسان نفسه؛ استعادة التعليم، والاقتصاد، والحريات، والقانون، والأمل.


سيعود التاجر ليعيد فتح متجره، والموظف ليطالب بحقه، والطالب ليجلس في مدرسته وجامعته دون خوف، والشاب ليبحث عن وظيفة داخل وطنه بدلًا من البحث عن قارب أو تأشيرة أو طريق للهجرة.


وسيعود المهجّر، لا لأنه نسي ما حدث، وإنما لأنه يعرف أن وطنه يستحق أن يُبنى من جديد.


فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من مشاريع الموت، ولا إلى مزيد من الجبايات، ولا إلى مزيد من تقسيم المجتمع.


اليمن يحتاج إلى دولة تحمي المواطن، واقتصاد يفتح أبواب الرزق، وتعليم يبني العقول، وقانون يتساوى أمامه الجميع، وسلام يعيد للناس حقهم الطبيعي في الحياة.


وسيظل اليمن باقيًا، مهما طال زمن المليشيات.


فالسلطة تزول، والسلاح يُسلَّم، والمشاريع الأيديولوجية تنتهي، لكن الوطن يبقى.


ويبقى على اليمنيين، بعد كل هذا الخراب، أن يبنوا وطنًا لا يضطر فيه الإنسان إلى الهجرة كي يعيش، ولا يخاف فيه المواطن كي يتكلم، ولا يجوع فيه الموظف لأنه بلا راتب، ولا يغلق فيه التاجر متجره هربًا من الجبايات.


ذلك هو اليمن الذي يستحقه اليمنيون.