آخر تحديث :الأربعاء-02 سبتمبر 2026-03:41ص

حضرموت التي لم أعش فيها… وعاشت في داخلي

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - الساعة 01:56 م
م. صالح بن سعيد المرزم


رسالة من القلب إلى كل من رافقني في الكتابة عن حضرموت


هناك كلمات نكتبها بسهولة، وهناك كلمات نتردد طويلًا قبل أن نضعها على الورق…


وهذه واحدة من أصعب الكلمات التي كتبتها.


إلى كل من قرأ لي يومًا، وإلى كل من تابع ما كتبته عن حضرموت، وإلى من شاركني الرأي، ومن خالفني، ومن ناقشني باحترام، وحتى من هاجمني أو تطاول عليّ بسبب موقف أو مقال…


شكرًا لكم جميعًا من القلب.


فأنتم، باختلاف مواقفكم، كنتم جزءًا من رحلة طويلة مع الكلمة، ومع قضية أخذت من فكري ووقتي ووجداني أكثر مما كنت أتوقع يوم بدأت الكتابة عنها.


وربما حان الوقت اليوم لأن أقول شيئًا شخصيًا لم أتوقف عنده كثيرًا في مقالاتي السابقة.


أنا كاتب سعودي، من أصول حضرمية.


ولدت ونشأت سعوديًا، بل إن جدي أيضًا من المواليد، ولم أعرف حضرموت بوصفها أرضًا عشت فيها، ولم أكبر بين مدنها ووديانها، ولم تكن تفاصيل حياتي اليومية مرتبطة بجغرافيتها.


ومع ذلك…


كانت حضرموت تسكنني بطريقة يصعب عليّ تفسيرها.


لم أعرفها من تراب الطريق، لكنني عرفتها من جذوري.


لم أعش فيها، لكنها عاشت في داخلي.


وربما لهذا السبب كنت أسأل نفسي أحيانًا: ما الذي يدفع إنسانًا لم يعش في أرض إلى أن ينشغل بتاريخها وحقوق أهلها ومستقبلها إلى هذه الدرجة؟


ولم أجد جوابًا أدق من أن الجذور أحيانًا تعرف طريقها إلى الإنسان، حتى وإن ابتعدت عنها خطوات الأجداد والأجيال.


ولذلك لم تكن كتابتي عن حضرموت يومًا بحثًا عن هوية بديلة؛ فهويتي السعودية واضحة وعزيزة ولا تحتمل الالتباس، وإنما كانت وفاءً لجذور حضرمية بقيت حاضرة في وجداني، واهتمامًا بأرض شعرت أن لها حقًا عليّ في أن أقول ما أراه تجاهها.


ومن هذا الموقع كتبت.


كتبت وأنا أنظر إلى حضرموت بعين المحب، وبعقل يحاول أن يفهم السياسة والتاريخ والمصالح المحيطة بها، وأن يقرأ مستقبلها في إطار محيطها العربي والخليجي، وبالأخص علاقتها بالمملكة العربية السعودية وما تمثله المملكة من عمق واستقرار وثقل في المنطقة.


لم أدّعِ يومًا أنني أملك الحقيقة كاملة.


أصبت في بعض ما كتبت، وربما أخطأت في بعضه، فالكاتب بشر، والرأي اجتهاد، والتاريخ وحده هو الذي يمنح كثيرًا من المواقف حكمها الأخير.


لكنني أستطيع أن أقول اليوم بضمير مرتاح:


كتبت ما كنت أؤمن به.


لم أكتب طلبًا لمنصب، ولم أنتظر مكسبًا، ولم أبحث عن رضا طرف أو غضب طرف آخر.


كتبت لأنني كنت أعتقد أن هناك كلمة يجب أن تُقال.


وكنت أرى أن حضرموت، بتاريخها وأهلها وثرواتها وموقعها، أكبر من أن تكون مجرد ورقة في مشاريع الآخرين، وأن لأهلها الحق في أن يكونوا أصحاب الصوت الأول في تقرير ما يريدونه لأرضهم ومستقبل أجيالهم.


دفعتني هذه القناعة إلى الكتابة مرة بعد أخرى.


قرأني من اتفق معي، وقرأني من اختلف معي.


شجعني أناس لم ألتقِ بهم يومًا، وانتقدني آخرون، وهاجمني البعض، ووصل الأمر أحيانًا إلى التجريح والتطاول الشخصي.


واليوم أقول للجميع:


لا أحمل في قلبي شيئًا على أحد.


بل أشكر حتى من خالفني؛ لأن بعض الاختلافات دفعتني إلى البحث أكثر، وبعض الانتقادات جعلتني أراجع أفكاري، وحتى الهجوم علّمني أن الكلمة حين تلامس قضية حساسة لا يمكن أن تمر دائمًا بلا ثمن.


لكنني اليوم أقف أمام سؤال مختلف تمامًا.


بعد كل هذه المقالات والمواقف والقراءات…


ماذا بقي لديّ لأقوله؟


أشعر أنني قلت معظم ما كنت أريد قوله في الشأن والقضية الحضرمية.


كررت التحذير حين رأيت ما يستوجب التحذير، وكتبت عن الحقوق حين شعرت أنها مهددة، وطرحت رؤيتي للمستقبل، وناقشت التاريخ والسياسة والهوية والعلاقة بالمملكة والمنطقة.


واليوم أخشى أن تتحول الاستمرارية من إضافة جديدة إلى تكرار لما سبق.


والكلمة، في نظري، يجب أن تتوقف عندما لا يعود لديها جديد تضيفه.


لذلك وصلت إلى قناعة أفكر فيها بجدية:


أن أتوقف عن الكتابة فيما يخص الشأن والقضية الحضرمية.


ليس لأن حضرموت أصبحت أقل أهمية لدي.


وليس لأن قناعاتي تبدلت.


وليس يأسًا أو انسحابًا.


بل ربما لأنني أديت بالكلمة ما استطعت أداءه، وقلت ما استطعت قوله، وحان الوقت لأن أترك للأحداث أن تتحدث، ولأهل حضرموت أنفسهم أن يكتبوا الفصل القادم من قصتهم.


لكنني قبل أن أضع القلم جانبًا، وجدت أن من الوفاء أن أعود إليكم.


أنتم الذين رافقتم هذه الرحلة.


أريد هذه المرة ألا أكون الكاتب…


بل المستمع.


وأطلب من إخوتي وأخواتي، من المتابعين والقراء، ومن الموافقين والمخالفين على حد سواء، أن يقولوا لي رأيهم بكل صدق ومن دون مجاملة:


هل ترون أن الوقت قد حان لأن أتوقف عن الكتابة في الشأن الحضرمي؟


أم ترون أن هناك شيئًا ما زال يستحق أن يقال؟


هل أدت هذه المقالات رسالتها وانتهى دورها؟


أم أن وجود كلمة مستقلة، حتى وإن اختلف معها البعض، ما زال له معنى وفائدة؟


لا أبحث عن عبارات الثناء، ولا أريد مجاملة عاطفية.


أريد رأيكم كما هو.


فربما يرى القارئ في الكلمة ما لا يراه كاتبها.


وأيًا كان قراري بعد ذلك، سأبقى ممتنًا لكل شخص منحني دقائق من وقته ليقرأ حرفًا كتبته.


وسأظل أحمل تقديرًا لمن وافقني، واحترامًا لمن خالفني بأدب، وصفحًا كاملًا عمن تجاوز أو أساء.


أما حضرموت…


فسواء كتبت عنها غدًا أم لم أكتب، ستبقى لها تلك المساحة التي لا تحتاج إلى مقال حتى تبقى موجودة.


مساحة الجذور في داخل الإنسان.


فأنا لم أعرف حضرموت أرضًا عشت عليها…


لكنني عرفتها جذورًا عاشت في داخلي.


ولعل هذه هي الحكاية كلها.


كاتب سعودي حملته جذوره الحضرمية إلى قضية أرض لم يسكنها يومًا، فإذا بها تسكن جزءًا من وجدانه سنوات طويلة.


واليوم، بعد رحلة طويلة مع الحرف، أسألكم السؤال الذي لا أملك إجابته وحدي:


هل آن لهذا القلم أن يستريح؟


أم أن للكلمة بقية؟