ورقة الامتحان صحيفة صماءُ عن العرق والجغرافيا صامت
ة؛ هي لا تسأل الطالب: أيمني أنت أم سوري أم تونسي أم سعودي؟
هي لا تعرف إلا لغة واحدة: "ماذا كتبت...؟". فإذا كان ثمة ق
يد قانوني/ عُرفي يحجب غير المواطن عن القائمة، فمن العدل والحصافة أن يُعلن صريحًا قبل المعترك، لا أن يُفاجأ به الحصّاد بعد طول السعي.
إننا -معشر يمانيين -ملوك في كبرياء وهمية؛ لا نرضى أن نكون خيّرين مع غيرنا ولا حتى مع أنفسنا، بل نتكالب لنكون "الأفضل "! نلتمس العلو
في أدراج الوهم، ونقسم الناس بجهالة: هذا أصيل وذاك دخيل، هذا أرفع مرتبة وذاك أدنى مكانة.
ثم يروق لنا أن نغلف هذا التعالي الفارغ بأثواب قشيبة من العرق، والجنس، والنسب، والقبيلة، والجنسية؛ وكأن المرء منا لا يطعم طعم وجوده، ولا يستشعر جلال قدره، إلا إذا توطأ هامة إنسان آخر وجعله تحته!
في كثير من الأحيان أقف أمام نفسي متأملا، فيأخذني العجبُ كل الدهشة من علةٍ دفيئة تخالط نفوسنا، وداءٍ قديم يستبد بضمائرنا، أحسبه الجرثومة الأولى لكل ما نكابده من شقاء اجتماعي وصراع إنساني؛ ذلكم هو ما أسميه "عقدة التفاضل". والمشوّهة لسمعة نضالنا!
ولو صرفنا العقل إلى علم الرياضيات، لو
جدنا التفاضل مفهومًا لطيفا يبحث في مقادير التغير واتجاهاته؛ ولكن ما بالنا إذا نقلناه إلى دنيا الناس، أحال اختلاف طبائعنا إلى تفاوت في القيمة الإنسانية؟ إن الاختلاف مدماك لهذه الحياة ومن ضروراتها، أما أن أستعلى عليك لأنني وُلدتُ في هذه البقعة أو تنسمتُ هذا النسب، فما ذاك إلا نزقُ عقدةٍ تتوسل بالتعالي!
وأين هذا الخطل من جلال "التكامل"؟ التكامل الذي لا يطرح السؤال العقيم: "من الأعلى؟"، بل يتساءل في تؤدة وإيناس:
"كيف يشد بعضنا أزر بعض؟".
الحق يُقال... كدر صفوي في أيامنا هذه ما أحيط بقضية الطالبة السورية "رؤى"؛ تلك الفتاة التي كابدت عناء الدرس في محافظة "المهرة"، وحققت أسباب التفوق، ثم أُسقط اسمها
من قائمة الشرف!
لستُ ممن يستبقون الأحكام، ولا أرمي الجريمة بوجه جهة دون برهان، فقد تكون المشكلة في إجراء إداري؛ لكن الواقعة أوقدت في نفسي سؤالا حارقا عميقا:
هل صرنا ننظر إلى إهاب الإنسان وجواز سفره قبل أن ننظر إلى عقله وجهده؟
وهنا يداخلني حرج شفيف وشيء من حياء الصديق أمام أصدقائي في تونس.
لقد قيّد الله لي أن أحرز المركز الأول مرتين في مسابقة وطنية في مقال علمي نقدي بتونس الخير، وما أورد هذا لافتخارٍ أو مفاضلة، بل لأبين عن معنى جليل خبرته بنفسي.
أن تُقيم بما جادت به يدك وعقلك، لا بما كُتب على غلاف وثيقة سفرك. فكيف لي اليوم أن أشرح لأصحابي هناك أن طالبًا يغشى بلادهم فيُكرم لتفوقه، بينما يُدفع طالب آخر في أرض عربية شقيقة عن حق استحقاقه لأن هويته جرت على غير ما اشتهى المخرج؟
ليس هذا طعنًا في يمنٍ كريم، ولا إسباغًا لثوب الكمال على غيره، وإنما هي دعوة لنقد الذات.
إن اليمن لا ينقص من قدره شيء إذا اعتلت "رؤى" منصة التكريم، بل يربح معنى أعظم: أن يعلن للعالم أن مدارسه ومعاهده تتسع لكلّ نبوغ، وأن
يغرس في نفس ابن البلد أن نجاح الجار لا يسلبك نجاحك. نجاحُ غيرك ليس هزيمةً لك، وتلك لعمري عقبة نفسية يجب أن نقتلعها؛ إذ لن يقلل إشراق كوكبٍ من ضياء كوكب آخر.
ولستُ أنسى أن أزجي التحية لرجال الصحافة والإعلام، وفي مقدمتهم عبد الرحمن أنيس، وفتحي بن لزرق، وماجد الداعري ونشوان العثماني وغيرهم؛ فلولا أصواتهم التي أقضّت مضجع هذا الصمت المريب، لمرت القصة كما مرت قصص قبلها تحت غطاء "هكذا جرت العادة".
وما كل عادة بجريرة الزمان تسلم من الظلم!
إن "رؤى" ليست اسما في قائمة مُختلفٍ عليها، بل هي مرآة الامتحان لمؤسساتنا وقيمنا: هل نملك من الجسارة ما يرينا "الإنسان" قبل جنسيته؟ إننا حين نكرم المتفوق الغريب لا ننصفه وحده، بل ننصف أنفسنا وننتصر للإنسانية في داخلنا.
والتعليم الذي يلقننا كتابة الجواب الصحيح على الورق، ثم يعجز عن إقامة قسطاس العدل في الواقع، لهو تعليم ظفر بالظاهر وفشل في الدرس الأكبر... درس الإنسان.
اليمن لا تخسر شيئا إذا وقفت رؤى السورية على منصة التكريم إلى جانب الطلاب اليمنيين. يا أستاذنا العادل عبد المجيد وأعرفك حق المعرفة.
بل قد تكسب شيئا أكبر.
مجيب الرحمن الوصابي