آخر تحديث :الخميس-17 سبتمبر 2026-12:38م

رؤساء اليمن بين النظرية والتطبيق.. من السلال إلى العليمي

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - الساعة 12:05 م
د. علي شامي مكي


لطالما ابتلي اليمن بفجوة قاتلة بين ما يقال في الخطب وما يطبق على الأرض. تاريخ اليمن الجمهوري هو تاريخ فجوة دائمة بين جمال الشعارات ومرارة الواقع. كل الرؤساء كانوا أساتذة في النظرية، لكنهم رسبوا في مادة التطبيق، حتى جاءت لحظتان فقط التقت فيهما النظرية بالتطبيق: الحمدي، والعليمي اليوم.


1. عبدالله السلال: نظرية الثورة وتطبيق الفوضى


النظرية: إسقاط الإمامة وإعلان الجمهورية والتحرر والمساواة.

التطبيق: كان ضعيفاً ومضطرباً. السلال كان ثورياً شجاعاً لكنه بلا مشروع دولة. سلم قرار اليمن للمصريين، ودخل في حروب داخلية مع الملكيين ومع رفاقه الجمهوريين، فكانت الدولة مجرد معسكرات وخطابات حماسية، بلا إدارة ولا اقتصاد. انتهى به المطاف معزولاً في القاهرة، لأنه لم يبني مؤسسة تحمي نظريته.


2. القاضي عبدالرحمن الإرياني: نظرية الحكمة وتطبيق العجز


النظرية: المصالحة الوطنية، حكم القانون، حكومة الكفاءات، والخروج من وصاية مصر.

التطبيق: كان رجلاً حكيماً ونزيهاً، لكنه كان ضعيفاً أمام مراكز القوى. نظريته كانت راقية جداً، لكن تطبيقه اصطدم بشيوخ القبائل وقادة الجيش. لم يستطع نزع سلاح القبيلة أو بناء جيش وطني، فظلت الدولة رهينة للمشائخ. هو نظرية بلا أدوات تنفيذ.


3. إبراهيم الحمدي: اللحظة الوحيدة التي التقت فيها النظرية بالتطبيق


النظرية: اليمن الحديث، دولة النظام والقانون، محاربة الفساد، والتنمية المستقلة.

التطبيق: هو الاستثناء الأول. ما قاله طبقه فعلاً. أنشأ لجان التصحيح، ألغى وزارة شؤون القبائل، بنى المدارس والطرق، وأعاد هيبة الدولة حتى أن المواطن شعر لأول مرة أن هناك دولة. مشكلته أن تطبيقه القوي اصطدم بمصالح الداخل والخارج، فتم اغتياله، وانتهت معه التجربة الوحيدة التي كانت فيها النظرية تساوي التطبيق.


4. علي عبدالله صالح: نظرية كبيرة وتطبيق عائلي


علي عبدالله صالح كان ظاهرة صوتية بامتياز. نظرياً، كان يرفع شعارات براقة: الوحدة، الديمقراطية، التنمية، محاربة الفساد، بناء دولة المؤسسات. وهو صاحب أطول نظريات الحكم وأكثرها جاذبية.


لكن على مستوى التطبيق، كان الواقع عكس النظرية تماماً، وكان الأضعف مقارنة بطول فترة حكمه:


نظرياً: دولة النظام والقانون. تطبيقياً: دولة الشيخ والعسكر والقبيلة، حيث القانون يطبق على الضعيف فقط.

نظرياً: اقتصاد وطني واعد. تطبيقياً: اقتصاد عائلي مغلق، نهب منظم للثروة، وترك اليمن في ذيل قوائم الفقر والفساد العالمي. اقتصاد نفطي يدار من غرف مغلقة.

نظرياً: جيش وطني قوي. تطبيقياً: جيش مقسم على أساس الولاء العائلي، الحرس الجمهوري لنجله، والفرقة لأقاربه، مما سهل انهياره في 2014.

نظرياً: دولة مؤسسات. تطبيقياً: دولة الرئيس يعرف كل شيء.


صالح كان يجيد إدارة الأزمات لا حلها، يجيد صناعة الكلام لا صناعة الدولة. حول النظرية الوطنية إلى تطبيق عائلي، وترك دولة بلا مؤسسات، فانهارت في أول اختبار حقيقي.


5. عبدربه منصور هادي: نظرية الدولة الاتحادية وتطبيق الانهيار


النظرية: كانت الأجمل على الورق: الحوار الوطني، اليمن الاتحادي بستة أقاليم، الدستور الجديد، ومخرجات الحوار.

التطبيق: كان الأسوأ. هادي رجل طيب لكنه بلا قدرة على التنفيذ. سلمت صنعاء في عهده، نظريته كانت في قاعة الحوار، وتطبيقه كان في حرب أكلت كل شيء. هو مثال صارخ لنظرية بلا سلطة تطبقها، بينما الدولة تتآكل من الداخل وتسلم مفاتيحها للميليشيات.


6. رشاد محمد العليمي: عودة النظرية القابلة للتطبيق


يأتي العليمي في سياق مختلف تماماً. هو ليس قادماً من ثكنة عسكرية ولا من قبيلة، بل من الجامعة والإدارة. هو أول رئيس يمني يجمع بين العمق الأكاديمي والتجربة الميدانية الطويلة: أستاذ جامعي، وزير داخلية، نائب رئيس وزراء، ومدير لملفات أمنية معقدة. لذلك نظريته ليست شعارات، بل مشروع قابل للتنفيذ.


لماذا هو نظرية وتطبيق معاً؟


أولاً: من الكلام المرسل إلى الفعل المؤسسي - رجل المؤسسات لا رجل الفرد

نظريته تقول القرار الجماعي، وتطبيقه هو مجلس قيادة رئاسي يدير البلد بالتوافق، على عكس حكم الفرد الذي جربه السلال وصالح وهادي. هو لا يتحدث عن استعادة الدولة كشعار، بل يطبقها عبر إعادة تفعيل المؤسسات من عدن: البنك المركزي، القضاء، وانتظام عمل الدولة.


ثانياً: من الدبلوماسية الصاخبة إلى الدبلوماسية المنتجة

صالح كان يخاصم الجميع ثم يصالحهم بمال الشعب. العليمي نظرياً يؤمن بالتوازن، وتطبيقياً أعاد اليمن إلى محيطها العربي والدولي، وجعل العالم يسمع صوت الشرعية بعد أن كان اليمن مجرد ملف أمني منسي.


ثالثاً: رجل القانون لا رجل الغلبة

كل الرؤساء السابقين تحدثوا عن القانون، لكن العليمي كأستاذ قانون يطبقه. يحكم بنظرية الدستور والقانون، لذلك يتحمل شركاء متعبين في مجلس القيادة، لأنه يؤمن أن التطبيق الحقيقي للدولة هو الشراكة، لا الإقصاء الذي مارسه سلفه.


الخلاصة


السلال ثار بلا دولة، والإرياني حكم بلا قوة، والحمدي بنى دولة فقتلوه، وصالح بنى سلطة لا دولة، وهادي كتب دستوراً بلا أرض.


أما العليمي، فهو يحاول لأول مرة منذ الحمدي أن يردم الفجوة التاريخية: أن تكون النظرية هي نفسها خطة العمل. قد لا يكون التطبيق سريعاً أو مثالياً، لأن تركة 33 سنة من الفوضى لا تصلح في سنتين، لكنه حتى الآن الرئيس الوحيد الذي لا نسمع منه وعوداً خيالية، بل نرى محاولة هادئة لتحويل الكلام إلى مؤسسة. رئيس يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول.

وأخيراً:


على الرئيس العليمي أن يستفيد من أخطاء من سبقوه، ويقطع مع عهد الولاءات والمشيخة والعسكر.


قوته أنه رجل قانون لا رجل ثكنة، وإذا بنى جيشاً وطنياً واقتصاداً شفافاً وقراراً جماعياً بعيداً عن حكم الفرد والعائلة، سيكون هو من ردم الفجوة التاريخية بين النظرية والتطبيق.