آخر تحديث :الأحد-30 أغسطس 2026-07:34ص

فتحي بن لزرق، حين يتحول الإعلامي إلى ضمير وطن والباحث عنه

الأحد - 30 أغسطس 2026 - الساعة 06:57 ص
نصيب محمد الحارثي


ليس من عادتي أن أكتب مديحاً لأحد طلباً لمنفعة، ولا أن أرفع شخصاً فوق مكانته مجاملةً أو رياءً، لكن هناك رجالاً تصبح الكتابة عنهم شهادة حق لا مديحاً، وإنصافاً لا مجاملة.

ومن هؤلاء يأتي اسم الإعلامي والصحفي اليمني المخضرم فتحي بن لزرق الرجل الذي بدأ من الصفر، وشق طريقه بنفسه، ولم يجد الطريق أمامه مفروشاً بالورود، بل اختار أن يصنع طريقه وسط الأشواك والعواصف، حتى بلغ اليوم مكانة لم يصنعها المال ولا العلاقات، وإنما صنعتها المواقف، والشجاعة، والاستقلالية، وقربه من الناس.

لقد عرف فتحي بن لزرق معنى أن تكون صحفياً قبل أن يعرف معنى أن تكون صاحب مؤسسة أو اسمًا لامعاً في بدايات مشواره السياسي والإعلامي، سار مع الحراك الجنوبي، مؤمناً بأهداف وطنيتة كان يرى فيها طريقاً لتحقيق تطلعات الناس، وكان يظن، كما ظن كثيرون، أن الطريق قد يكون مفروشاً بالورود إذا صدقت النوايا وحضرت الأهداف الوطنية ،لكن الأيام تكشف ما تخفيه الشعارات ،ومع مرور الوقت، بدأت الحقائق تتكشف أمامه، وأدرك أن هناك أهدافاً ومسارات لا تتطابق مع ما كان يحمله في داخله من حلم بدولة يسودها النظام والقانون، وتُصان فيها كرامة الإنسان، ويكون الوطن فيها فوق الأشخاص والمشاريع الضيقة ،ثم جاءت مرحلة أخرى مع بزوغ المشروع الانتقالي، فاقترب منها، وحاول أن يرى فيها ما يمكن أن يحقق تطلعات الناس، قبل أن تتضح له الصورة والرؤية من جديد ،لم يكن فتحي يبحث عن منصب، ولا عن غنيمة سياسية، ولا عن طريق مختصر إلى الشهرة ،كان يبحث عن دولة ،،دولة نظام وقانون،دولة مؤسسات ،دولة لا يكون فيها المواطن تابعاً لهذا الطرف أو ذاك، ولا تتحول فيها السياسة إلى وسيلة لإذلال الناس أو تقسيمهم.

وحين اصطدمت قناعاته بالواقع، اختار أن ينحاز إلى ما يؤمن به، حتى لو كان ثمن ذلك أن يقف وحيدًا ،وهنا تحديدًا بدأت قصة فتحي بن لزرق التي يعرفها الناس اليوم ،من صحفي إلى صوت للناس ،من يعرف فتحي بن لزرق اليوم يدرك أن الرجل لم يعد مجرد إعلامي يجلس خلف مكتبه ليكتب مقالاً أو ينشر خبراً،لقد أصبح، بفعل الممارسة والمواقف، صوتاً للمواطن، ووسيطاً لحل المشكلات، وواجهةةمن يلجأ إليها ممن ضاقت به السبل ،تأتي إليه الوفود أفرادًا وجماعات ،يأتي إليه المواطن الذي يبحث عن حق ضائع ،ويأتي إليه الضعيف الذي لا يستطيع الوصول إلى صاحب القرار ،ويأتي إليه الكبير والصغير، والمسن والمريض، ومن لا يملك من الدنيا إلا شكواه ،ولا يغلق الرجل بابه في وجه من قصده بحق ،تراه يصغي، ويتابع، ويسأل، ويتدخل، ويبحث عن الحل ،وقد يختلف معك في السياسة، لكنه لا يجعل اختلافه السياسي سببًا في إسقاط حقك الإنساني.

وهذه، في نظري، واحدة من أعظم صفات فتحي بن لزرق ،أنه لا يقيس الإنسان بحجمه السياسي، وإنما بإنسانيته وحقه ،يقارع الكبار من أجل الصغار، ويجادل أصحاب النفوذ من أجل من لا نفوذ له، ويضع كلمته حيث يرى أن الحق يجب أن يكون ،وهذا النوع من الرجال لا تصنعه المكاتب، وإنما تصنعه الأيام ،رجل يقول ما يعتقده ،قد تختلف مع فتحي بن لزرق، وقد تتفق معه، وقد تعارضه في موقف أو تؤيده في آخر، لكن من الصعب أن تنكر عليه صفة أصبحت جزءاً من صورته العامة:د

الشجاعة في قول ما يعتقد أنه حق ،فهو لا ينتظر دائمًا أن تكون الكلمة آمنة حتى يقولها ،ولا يزن الموقف فقط بميزان الربح والخسارة الشخصية ،ولهذا دخل في صدامات كثيرة، ودفع أثماناً باهضة لمواقف اتخذها، وكان بإمكانه في أوقات كثيرة أن يختار الصمت، لكنه اختار الكلام ،وكان بمقدوره أن يسافر مع أهله اي بلد ويريح نفسه ولكنه أبى إلا أن يكون مع وطنه وشعبه الذي يحتاجه في هذا الوقت العصيب

والكلمة حين تصبح موقفًا لها ثمن ،ولعل من أبرز ما يُحسب له أنه وقف مع الدولة والشرعية الدستورية في لحظات كانت فيها البيئة المحيطة شديدة التعقيد، وفي ظروف لم يكن فيها الوقوف مع ما يؤمن به أمرًا سهلًا أو بلا تكلفة ،كما وقف مع مفهوم اليمن الواحد، ورفض أن تكون الجغرافيا سبباً في تمزيق النسيج الإنسان اليمني أو تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة مع الوطن ،لم يكن ذلك موقفًا نظريًا بالنسبة إليه.

لقد دفع ثمنه ،(عدن الغد) حين يدفع الصحفي ثمن الكلمة

ولأن الكلمة الحرة لا تعجب الجميع، تعرض مكتب (مؤسسة عدن الغد الإعلامية)للاقتحام والعبث والنهب، في حادثة كشفت أن الصحافة حين تخرج من إطار التطبيل والمجاملة يمكن أن تصبح هدفاً لمن لا يحتملون الرأي المختلف ،لكن المكتب يمكن أن يُقتحم، والممتلكات يمكن أن تُنهب، والأوراق يمكن أن تُبعثر، والأجهزة يمكن أن تُحطم ،أما الفكرة فلا تُنهب

والكلمة التي خرجت من قناعة صاحبها لا يمكن اقتحامها بالقوة ،وهنا تأتي قيمة التجربة التي يمثلها ويمر بها فتحي بن لزرق وعدن الغد أن الصحافة ليست مجرد مطابع وشاشات ومواقع إلكترونية، وإنما هي قبل ذلك موقف ومسؤولية وشهادة أمام التاريخ.

فتحي الذي يعرفه الناس ،ربما يستطيع البعض أن يصنع إعلامياً مشهوراً بالإعلانات والعلاقات، لكن من الصعب جداً أن تصنع رجلاً يلجأ إليه الناس عندما تضيق بهم الحياة ،هذه المكانة لا تمنحها مؤسسة، ولا يصنعها لقب ،يصنعها الناس أنفسهم ،حين يصبح مكتب الصحفي مقصداً للمواطنين، وحين يأتيه الناس من كل مكان أفواج لأنهم يثقون أنه سيستمع إليهم، وحين يعرفون أن اختلافه معهم لن يمنعه من الوقوف إلى جانب صاحب الحق، فهنا يتحول الإعلامي من مجرد ناقل للخبر إلى فاعل اجتماعي وطني ،وهذا ما أراه في تجربة الرجل الفذ فتحي بن لزرق اليوم ،لقد أصبح الرجل، إلى جانب دوره الإعلامي، حاضراً في مساحات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعسكرية وإنسانية واسعة ،ليس لأنه ادعى لنفسه هذه المكانة، وإنما لأن الناس هم الذين صنعوها له.

لم يبدأ من القمة ومن الإنصاف ألا ننظر إلى فتحي بن لزرق من موقعه الحالي وننسى بداياته، فالرجل لم يولد وفي يده مؤسسة إعلامية، ولم يبدأ حياته وفي انتظاره طريق معبد نحو الشهرة ،بدأ من الصفر ،تعلم، وكافح، وواجه، وأخطأ وأصاب، وتقدم خطوة وتراجع أخرى، لكنه لم يتوقف ،ولهذا فإن صعوده اليوم لا يمكن فصله عن سنوات طويلة من العمل والمواجهة والتجربة ،إنها رحلة رجل اختار أن يصنع اسمه بيده ،والأسماء الحقيقية لا تُصنع في ليلة واحدة ،ليست مجاملة إنها شهادة،وأقولها بوضوح .

أنا لا أكتب عن فتحي بن لزرق مجاملة، ولا أبحث من خلال هذه الكلمات عن منفعة أو مصلحة شخصية ،ولو كنت أجامله لقلت كلاماً آخر،لكنني أكتب لأن الرجل، في رأيي، يستحق أن تُقال بحقه كلمة إنصاف ،وإن جاملته أنا، فلن يستطيع أحد أن يجامل ملايين المواطنين الذين عرفوه، ولا يستطيع أحد أن يفرض على الناس أن يطرقوا بابه طلباً للمساعدة، ولا أن يجبرهم على احترام مواقفه ،الشعب يعرف الرجال من أفعالهم ،والسنوات كفيلة بأن تكشف من كان يبحث عن نفسه، ومن كان يبحث عن وطن ،فتحي بن لزرق ظاهرة تتجاوز الصحافة ،لقد تجاوز فتحي اليوم حدود الصحافة التقليدية

أصبح اسمه حاضراً في المشهد اليمني لا بوصفه صحفيًا فقط، وإنما بوصفه شخصية عامة ذات تأثير اجتماعي وموقف سياسي وصوت إعلامي حاضر ،وهذه المكانة ليست سهلة

ففي زمن تتبدل فيه المواقف بسرعة، ويصبح الصمت أحياناً أكثر أماناً من الكلام، يظل الإنسان الذي يحتفظ بقدرته على قول نعم حين يجب أن يقول نعم، ولا حين يجب أن يقول لا، جديراً بالاحترام ،ولذلك فإن فتحي بن لزرق، بالنسبة لي، ليس مجرد اسم في قائمة الإعلاميين اليمنيين ،إنه تجربة رجل بدأ من الصفر، واختار أن يبقى قريبًا من الناس، وأن يجعل من مهنته وسيلة للدفاع عن الحق، ومن مكتبه باباً مفتوحاً لمن يبحث عن الإنصاف ،وقد تختلف معه، لكنك لا تستطيع بسهولة أن تتجاهل حضوره.

وفي الاخير ،تحية إجلال واحترام إلى الأخ فتحي بن لزرق ،تحية إلى الرجل الذي اختار الطريق الأصعب ،تحية إلى الصحفي الذي لم يكتفِ بكتابة الأخبار، بل عاش جزءاً من معاركها تحية إلى الإنسان الذي جعل من مكتبه محطة يقصدها ويحج إليها المواطنون ،وتحية إلى مؤسسة عدن الغد التي أصبحت جزءاً من ذاكرة الصحافة اليمنية المعاصرة ومتنفسنا الوحيد وحديقتنا وواحة المفتوحة

حينما اختفت الصحافة اليمنية ومؤسسة الصحف الرسمية للدولة من الشارع حلت محلها مؤسسةعدن الغد لتكون صوت كل اليمنيين الباقي لهم وقد لعبة الدور وقامت بالتغطية الكافية الشاملة لكل مجريات الأحداث والحدث في وقتهاقد يختلف الناس في السياسة، وقد تختلف الرؤى والمشاريع، لكن الوطن يحتاج دائماً إلى رجال يقولون كلمتهم بوضوح، ويعرفون أن السلطة زائلة، والمناصب عابرة، والمصالح مؤقتة، بينما الموقف يبقى، والكلمة تبقى، والتاريخ لا ينسى.

ولذلك أقولها بلا تردد ،فتحي بن لزرق لم يصعد لأنه بحث عن سلم يصعد به إلى القمة، بل لأنه ظل يصعد فوق سنوات التعب والمواجهة والخذلان، حتى أصبح اسمه اليوم واحداً من الأسماء التي يصعب تجاوزها في المشهد الإعلامي اليمني.

وهذه ليست مجاملة هذه شهادة حق.