عندما يُعاقب التفوق على عتبات البيروقراطية
حين يُعاقب الطالب على تفوقه، وتتحول منصات التكريم إلى أدوات للإقصاء، فإننا لا نكون أمام خلل إداري عابر، بل أمام أزمة أخلاقية ومؤسسية تستدعي انتفاضة رأي عام حقيقية. هذا بالضبط ما جرى مع الطالبة السورية رؤى محمود شيخ محمد المقيمة في محافظة المهرة اليمنية، والتي أُستبعد اسمها من قائمة أوائل الثانوية العامة ومن المركز الأول بالمحافظة للعام الدراسي 2025-2026 رغم حصولها على معدل مرتفع يبلغ 99.25% في القسم العلمي، التي حطمت الصعاب، وجاءت تحمل في أثوابها مرارة الهجران وقسوة الشتات بعد أن غادرت وطنها مجبرة، لتجد وأسرتها في أرض اليمن وطناً ثانياً احتضنهم، فبادلته وفاءً بوفاء واجتهاداً بتفوق.
نصوص صماء في مواجهة نبض الحياة
لكن المفارقة الموجعة أن تُقابل ابنة هذا البلد "الثاني" بالتجاهل التام، والاستبعاد المباشر من قوائم المكرمين، وكأن نجاحها المتميز جريمة لا تُغتفر! فهل عجزت عقول البيروقراطية في وزارة التربية عن قراءة المشهد الإنساني والتربوي بعين البصيرة؟ وهل يُعقل أن تُهدر طاقات أثبتت جدارتها في أقسى الظروف، لمجرد نصوص صماء تتعامل مع المتفوقين بقطعة قماش أو بختم جنسية؟
أصالة القيم في اختبار حقيقي
الأكثر مرارة في قصة رؤى أنها لم تكن غريبة تستجدي العطف، بل ابنة أرض عُرفت عبر التاريخ بسعة صدرها، وشهامتها، وكرم ضيافتها الذي ضرب الأمثال. فهل غدت شيم اليمنيين الأصيلة، التي تُكرم الضيف وتجبر الكسير، غريبة عن أروقة مؤسساتنا التعليمية؟ كيف يهنأ لقرار رسمي أن يشطب فرحة فتاة سكنت اليمن وأحبته، واعتبرت ترابه مساحة لأحلامها، ليأتي الجحود الإداري ويوجه لها طعنة في ظهر التفوق والامتنان؟ ولنا في الابنة اليمنية البارة مناهل ثابت مثال حي وساطع، حين أبدعت وتفوقت فكُرمت باحتفاء بالغ في أرض غير أرضها دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، وفرح اليمنيون يومها بذلك التكريم أينما كانوا فخراً واعتزازاً.
لنتساءل بحرقة اليوم: أبهذه السرعة نغلق نحن أبواب التكريم في ديارنا في وجه من اختارت أرضنا مستقراً لنجاحاتها؟
الرأي العام في مواجهة الغبن الإداري
الرأي العام اليوم مطالب بعدم الصمت أمام هذا الغبن الصارخ والوجع المزدوج. إن قضية رؤى ليست شأناً عائلياً أو إدارياً عابراً، بل هي اختبار حقيقي لعدالة المنظومة التعليمية ومدى وفائها لقيم هذا المجتمع وأخلاقه. عندما تُغلق الأبواب في وجه طالبة استثنائية تفوقت بسهر ليلها وتعبها وغربتها، فإن الوزارة ترسل رسالة كارثية تناقض تماماً عراقة وأصالة الشعب اليمني المعطاء.
انتصار لكرامة العلم
من هنا، فإن الكرة الآن في ملعب وزارة التربية. إن التمادي في هذا القرار الجائر لن يزيد المشهد إلا تأزماً، ولن يساهم إلا في تشويه الصورة الناصعة لبلد عُرف بأنه دار أمان لكل مكروب. التراجع عن هذا القرار ليس مجرد "لفتة إنسانية"، بل هو تصحيح فوري لخطأ جسيم، ورد اعتبار لقيم اليمن الكريمة قبل أن يكون إنصافاً لرؤى وحدها.
على الوزارة أن تدرك أن أسماء المتفوقين تُخلد بأفعالهم لا بقراراتها الإقصائية، وأن رؤى وأمثالها هن سفيرات للعلم والمثابرة يستحقت التتويج، لا التهميش. إنصاف رؤى اليوم هو انتصار لكرامة العلم وحفظ لماء وجه القيم اليمنية الأصيلة، وعدم التراجع عن هذا العنت الإداري سيزيد الطين بلة، ويضع الوزارة طويلاً في قفص الاتهام أمام مجتمع لا يرضى بالظلم ولا يتخلى عن شيم الوفاء.