يقف القطاع التعليمي في اليمن اليوم على شفير جرفٍ هارٍ، يهدد بانهيارٍ تام لن تتوقف آثاره عند جدران المدارس، بل ستشمل مستقبل مجتمع بأكمله. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد أزمة مؤقتة في المناهج أو الميزانيات، بل عن كابوسٍ حقيقي يتبدى في الأفق القريب: اليمن بعد خمس سنوات خالية تقريباً من المعلمين المؤهلين
المتأمل في واقع المدارس اليوم يدرك بوضوح أن العملية التعليمية تستند تقريباً على أكتاف الرعيل القديم وهم معلمون وأساتذة أفنوا عقوداً من أعمارهم في السلك التربوي وتجاوز معظمهم السن القانونية للتقاعد أو وصلوا إلى مراحل العجز الصحي هذا الجيل الذي شيد بنيان التعليم لعقود يُغادر المشهد تدريجياً وبصمت والدامس في الأمر أنه لا يجد من يخلفه
إن أسباب هذه الفجوة ليست وليدة المصادفة بل هي نتاج تراكمات اقتصادية واجتماعية مريرة تدهور القيمة الشرائية لمرتبات المعلمين وانقطاعها لفترات طويلة حوّل مهنة التعليم من رسالة سامية واستقرار وظيفي إلى رمز للمُعاناة والفقر أمام هذا الواقع القاسي وُجّه الشباب اليمني خياراته نحو مجالات أخرى حيث شهدنا هجرة جماعية لكوادر الشباب نحو الأعمال المهنية الحرفية والتجارية الحرة
ولكي نكون منصفين فإن توجه الشباب نحو المهن والأعمال اليدوية ليس عيباً بذاته بل هو استجابة طبيعية للبحث عن العيش الكريم وسد الرمق في ظل ظروف اقتصادية طاحنة لكن المشكلة تكمن في الانكفاء الكامل للشباب عن قطاع التعليم وتفريغ كليات التربية من طلابها مما خلق اختلالاً هيكلياً خطيراً فالمجتمع يحتاج الحرفي والمهندس ولكنه بدون المعلم لن يجد من يعلم الحرفي والمهندس على حد سواء
إن تداعيات هذه الأزمة تُنذر بـ كارثة مجتمعية متكاملة الأركان
1-إغلاق المدارس وتفشي الأمية ستجد مئات المدارسخاصة في الأرياف أنفسها مجبرة على إغلاق أبوابها لعدم وجود كادر تعليمي مما يعني دفع ملايين الأطفال إلى الشارع وزيادة معدلات الأمية والتسرب الدراسي بشكل غير مسبوق
2-انهيار جودة التأسيس العلمي التخلي عن الكفاءات والخبرات المتراكمة للجيل القديم واستبدالهم إن وُجدوا بمتطوعين غير مؤهلين تربوياً أو بدلاء مؤقتين يفرغ التعليم من محتواه ويخرّج أجيالاً غير قادرة على المنافسة أو بناء مستقبل البلاد
3-تغذية أزمات البطالة والتطرف خروج الأطفال والشباب من المنظومة التعليمية يجعلهم عرضة أسهل للاستقطاب في النزاعات أو يزج بهم في سوق العمل المبكر دون أي تأهيل علمي أو معرفي يتناسب مع متطلبات العصر
إن دق ناقوس الخطر اليوم ليس من باب التهويل بل هو استقراء واعي لواقع يفرض نفسه إن إنقاذ قطاع التعليم في اليمن يتطلب تحركاً عاجلاً لإعادة الاعتبار لمعلم المدرس عبر تحسين ظروفه المعيشية وضمان حقوقه الأساسية وإعادة تحفيز الشباب للإقبال على التخصصات التربوية إن الاستثمار في المعلم هو استثمار في بقاء الدولة والمجتمع وبدون تدارك هذا الفراغ التربوي سريعاً سنستيقظ بعد سنوات قليلة لنجد الفصول خاوية ولن نجد حينها من يعلّم أبناءنا كيف يكتبون مستقبلهم