قصة واقعية
حين يسبقنا القدر إلى من نحب، وتتوارى الأماني خلف سحب الفجيعة، ينطوي العمر على جمر لا يبرد؛ فهكذا هي بلادنا، بلاد القصص الموجعة. لقد ابتلينا بقيادات رأت في كرسي السلطة مغنماً، ونسيت شعباً بأكمله تقاذفته أمواج الحرمان منذ فجر الثورات المتعثرة في صنعاء وعدن. لا زال الإنسان اليمني يدفع من عرقه وكرامته ودموع أبنائه أثماناً باهظة لخطايا ساسة بارعين في صناعة المآسي فقط.
ومن رحم هذا المخاض القاسي، خرج ذلك المهاجر من دول الخليج العربي وهو يدير شركة صغيرة كانت تدر عليه وعلى أهله ما يكفيهم أمام مطالب الحياة؛ خرج هو ومن معه أذلاء من ديار الهجرة وتركوا خلفهم مصالحهم، إثر أزمة احتلال العراق للكويت التي لم يجنوا منها سوى الحرمان وضياع أموالهم وأعمارهم. وفي عام 1997، شدّ ذلك المهاجر الرحال مرغماً إلى قرى ريف أبين باحثاً عن العمل، حيث كان والده مقيماً هناك، تاركاً في محافظة إب وديعة قلبه وروحه: أمه المكلومة، وإخوته، وزوجته التي كانت لدارهم ربيعاً ودفئاً. غادر وهو يطوي مسافات الوطن المترامي، غير آبه بما تحمله طيات الغيب من عواصف تحيل دفء الحب إلى لوعة فراق لا رجعة فيها.
حين حطّ ركبه في أرض أبين المعطاءة، اصطدم بصخرة الواقع المرير. لم يجد عملاً يليق بكرامة الإنسان، فتقاذفته الأعمال الشحيحة والمهن الضئيلة التي تُقتات من فضلات الصبر، باحثاً عن لقمة عيش تسد رمق أهله في الغياب. وبينما كان يقاسي مرارة الاغتراب المكاني، أتاه النبأ كالصاعقة: زوجته الحبيبة المخلصة، التي طالما ظنها زهرة أبدية لا تذبل، قد نخر الكبد عافيتها وأصابها تلف لا رجعة فيه. وقف الدم في عروقه، وتاهت الكلمات في حنجرته المبحوحة. كيف للمرض أن يغتال تلك النحلة الدؤوب التي تفيض عطاءً وحلاوة، وتلك النملة الساعية التي تعمر أركان الدار صمتاً وبصيرة ودون ضجيج؟
طمأن نفسه بوهم أنيق: ستمرض وتبرأ، وتعود كما كانت ربيعة الدار وبهجة العمر. وما درى أنه كان يفرّ من هول الحقيقة المخيفة، فالقلب دائماً يدرك بعين البصيرة ما يرفض العقل المسكين الإقرار به. ومرت الأيام الثقيلة وكأنها الدهر بأسره، وهو عالق في عزلته الروحية في قرى أبين، يترقب بصمت كل نبضة، صامّاً أذنيه عن حشرجة الليل المنذرة بالردى.
ثم أتى القدر بما لا رد لقضائه ولا مجال لتأجيله. في ليل بهيم، جاءه نداء الهاتف الجارح: زوجتك الآن في العناية المركزة، ونخشى أن يفوتك الأوان!. تبخرت الكلمات كما يتبخر العود الملتهب في مهب الريح. وبينما الفجر يستعد للانبلاج، غلبه سبات مثقل بالهموم، فرأها في المنام كاللؤلؤة، صامتة لا تتكلم، تصعد الدرج لكنه درج محراب الفراق الأبدي.
استيقظ مفزوعاً، وما كان يدري أنه يودعها الوداع الأخير. شدّ رحاله متمالكاً أنفاسه، لكن هيهات... فقد سبق القدر خطاه. لقد رحلت رفيقة الدار، أم مطيع، وانطفأ حضورها البهي. ولم تمض سوى أعوام معدودات حتى لحق بها ولدها مطيع شاباً يبحث عن قمة العيش، وبقي الأب وحيداً في زوايا الروح، كغيره من اليمنيين، فهذه الفجيعة الشخصية لم تكن سوى انعكاس حي لواقع شعب بأكمله؛ شعب عظيم ومضياف، تحكمه شرذمة من القيادات الفاسدة التي سلبت منه أسباب الحياة الكريمة، وتركت أبناءه يتكففون العيش في المهاجر والمنافي، بلا راع يرأف بحالهم، ولا كفّ تصون كرامتهم وترفع مستوى معيشتم.
رحل الكثير من هذا الشعب وبقيت الذاكرة تنزف، ليبقى الشعب اليمني طريح المعاناة، يدفع دوماً ثمن حماقات قيادة لم تعرف للوطن معنى، ولم تحفظ للإنسان قيمة.