آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-07:56ص

حضرموت.. ساعة القرار

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 08:40 م
م. صالح بن سعيد المرزم


ما يجري اليوم في اليمن والمنطقة ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل ملامح مرحلة يُعاد فيها ترتيب النفوذ والمصالح وموازين القوة. وفي قلب هذه التحولات تقف حضرموت؛ بثروتها ومساحتها وموقعها الاستراتيجي وامتدادها على بحر العرب وعمقها المتصل بأمن المملكة العربية السعودية والخليج.


ومن يقرأ المشهد بعقل الأمس سيخطئ في فهم القادم.


فالحوثي رسّخ واقعًا مسلحًا في الشمال، والشرعية اليمنية عانت سنوات من التشتت وضعف القدرة على بناء دولة فاعلة، والمجلس الانتقالي الجنوبي يسعى إلى تثبيت مشروعه السياسي والعسكري في الجنوب، بينما تتقاطع فوق الأرض اليمنية حسابات إقليمية ودولية تتجاوز كثيرًا شعارات الأطراف المحلية.


وسط كل ذلك يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الحضارم بوضوح:


أين حضرموت من كل هذه المشاريع؟


حضرموت ليست ملحقًا بمشروع أحد


أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن ينتقل الحضرمي من وصاية سياسية إلى وصاية أخرى، ثم يُقال له إن ذلك هو «الحل».


حضرموت ليست غنيمة للشرعية، ولا منطقة نفوذ للانتقالي، ولا ورقة في مواجهة الحوثي، ولا رصيدًا تفاوضيًا لأي طرف يريد تحسين شروطه في التسوية القادمة.


فالشرعية التي كان يُفترض أن تبني نموذج الدولة لم تستطع خلال سنوات طويلة معالجة الاختلالات العميقة في اليمن.


والانتقالي يمتلك مشروعًا سياسيًا معلنًا يخص رؤيته للجنوب، ومن حقه أن يطرح مشروعه، ولكن من حق الحضارم — بل من واجبهم التاريخي — أن يقولوا بوضوح:


مشروعكم ليس بالضرورة مشروع حضرموت، ومستقبل حضرموت لا يقرره أحد نيابة عن أهلها.


أما الحوثي، فهو المستفيد الأكبر من انقسام خصومه؛ فكل صراع داخل المعسكر المناهض له يمنحه مساحة إضافية سياسيًا وعسكريًا.


ولهذا فإن تحويل حضرموت إلى ساحة صراع جديدة لن يخدم أهلها، ولن يخدم أمن المملكة والخليج، بل سيضيف أزمة جديدة إلى أزمات المنطقة.


السعودية وحضرموت.. أمن ومصير جغرافي


ومن منظور سعودي، هناك حقيقة استراتيجية لا ينبغي تجاهلها:


استقرار حضرموت جزء بالغ الأهمية من أمن الجزيرة العربية.


فحدود حضرموت وموقعها ومواردها وساحلها الطويل على بحر العرب تجعل استقرارها قضية تتجاوز الجغرافيا المحلية.


ولهذا فإن العلاقة بين المملكة وحضرموت ينبغي ألا تُختزل في دعم مرحلي أو وساطة بين أطراف متنازعة، وإنما ينبغي أن تتطور إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى تحفظ أمن حضرموت وتنميتها واستقرارها، وفي الوقت نفسه تعزز أمن المملكة وحدودها الجنوبية وعمقها العربي.


فحضرموت مستقرة وقوية ومزدهرة تمثل مكسبًا استراتيجيًا للمملكة والخليج، بينما حضرموت المتنازع عليها بين المليشيات ومراكز النفوذ وشبكات التهريب تمثل خطرًا على الجميع.


الإمارات والانتقالي.. المصالح تُحترم ولكن حضرموت ليست للمقايضة


وليس من الواقعية تجاهل الدور الإماراتي في جنوب اليمن أو علاقته بالمجلس الانتقالي.


للإمارات مصالحها وحساباتها، كما للمملكة مصالحها، ولكل دولة الحق في حماية مصالحها المشروعة.


ولكن للحضارم أيضًا مصالحهم وحقوقهم.


وعندما تتعارض مشاريع أي طرف مع حق أهل حضرموت في تقرير مستقبل أرضهم وإدارة ثرواتهم، فإن الطبيعي أن تكون الأولوية لدى الحضارم لحضرموت.


ولا يحتاج ذلك إلى صناعة عداوات مع أحد، ولا إلى خصومات مجانية، وإنما إلى معادلة سياسية واضحة:


التعاون مع الجميع، مع بقاء القرار الحضرمي بيد الحضارم.


وعلى الحضارم أن يراجعوا بيتهم من الداخل


سيكون من السهل تحميل الخارج كامل المسؤولية، لكن ذلك لن يقدم قراءة منصفة للمشهد.


فجزء من أزمة حضرموت يعود إلى أن قضيتها أُديرت طويلًا بردود الأفعال، وتحولت بعض المكونات من أدوات لبناء مشروع سياسي إلى ساحات تنافس للأشخاص والمصالح.


وما زال المشهد يشهد إعادة تدوير أسماء ووجوه شاركت في مراحل سابقة من الإخفاق، ثم يجري تقديم بعضها اليوم باعتباره طريق المستقبل.


لا يمكن بناء حضرموت الجديدة بالأدوات نفسها التي عجزت عن حمايتها في المراحل السابقة.


الحضارم بحاجة إلى جيل سياسي مختلف، وإلى مرجعية حضرمية حقيقية تمثل المجتمع بمختلف مناطقه وقواه وكفاءاته، وإلى رؤية اقتصادية وأمنية وسياسية مكتوبة، لا إلى بيانات إنشائية ومؤتمرات تنتهي بالصور والتوصيات.


المطلوب ليس الانفعال.. بل مشروع دولة ومؤسسات


حضرموت اليوم لا تحتاج إلى مغامرة عسكرية، ولا إلى إعلان عاطفي، ولا إلى خصومة مجانية مع محيطها.


ما تحتاجه هو الأصعب:


مشروع سياسي حضرمي متكامل.


مشروع يحدد شكل الإدارة والحكم، وإدارة الموارد، والأمن والدفاع، والعلاقة الاستراتيجية مع المملكة والخليج، والعلاقة المستقبلية مع بقية مناطق اليمن، وضمان حقوق جميع سكان حضرموت.


والأهم أن يستند هذا المشروع إلى إرادة شعبية حقيقية.


فتقرير المصير لا يُبنى بالشعارات، وإنما ببناء المؤسسات، وتوحيد الصف، وتكوين الشرعية الشعبية، ثم مخاطبة الإقليم والمجتمع الدولي بلغة المصالح والقانون والواقع.


القادم أخطر.. ولكنه فرصة تاريخية


اليمن بصيغته التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية يواجه أزمة بنيوية عميقة، والتوازنات القديمة تتآكل، وأي تسوية قادمة قد تعيد تعريف شكل الدولة وعلاقة المركز بالأقاليم ومواقع القوى المختلفة.


وهنا يكمن الخطر والفرصة معًا.


إذا دخل الحضارم تلك المرحلة متفرقين، سيتفاوض الآخرون على حضرموت.


أما إذا دخلوها بمشروع واضح، وقيادة ذات شرعية شعبية، ورؤية استراتيجية، وعلاقة راسخة مع المملكة والخليج، فسيكون من الصعب تجاوز إرادتهم.


المستقبل لا يُمنح لمن ينتظره، وإنما يصنعه من يستعد له.


ولهذا فإن المعركة الحقيقية أمام الحضارم ليست مع عدن، ولا مع صنعاء، ولا ينبغي أن تكون بينهم.


السؤال الذي ينبغي أن يشغلهم هو:


هل يملك الحضارم مشروعهم قبل أن يفرض الآخرون مشاريعهم على حضرموت؟


هذه هي ساعة القرار.


ففي زمن إعادة تشكيل المنطقة، من لا يجلس إلى الطاولة حاملًا مشروعه، قد يجد أرضه ومستقبله موضوعًا على الطاولة ضمن مشاريع الآخرين.


وحضرموت أكبر من أن تكون ورقة تفاوض، وأغلى من أن تصبح غنيمة، وأهم من أن يقرر مستقبلها غير أهلها.