آخر تحديث :الخميس-01 أكتوبر 2026-02:37ص

اليمن الذي تغيّر فينا

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - الساعة 05:37 م
نجيب الكمالي


كلما حاولت أن أفهم ما الذي حدث لليمن بعد أحد عشر عامًا من الحرب، أشعر أنني لا أستطيع اختصار الحكاية في انقلاب الحوثيين على الدولة ومؤسساتها، ولا في الشمال والجنوب، ولا في جبهة تقدمت وأخرى تراجعت. ما يؤلمني أكثر أن شيئًا تغير في علاقتنا ببعضنا. أصبح اليمني يُقرأ من اسمه، ومنطقته، ونسبه، وموقفه السياسي، قبل أن يُرى كإنسان.

أتذكر التسعينيات. لم تكن أيامًا مثالية، لكنها كانت مختلفة. كان الواحد يقول: أنا اشتراكي، ويقولها بفخر. وآخر مؤتمري، وثالث إصلاحي. كانت الأحزاب تتنافس على الشارع، وكنا نختلف حول من لديه الشعبية ومن يستطيع أن يقنع الناس. ترتفع الأصوات في النقاش، ثم ينتهي الأمر ونلتقي في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث.

كنا نختلف على من يملك صوت الشعب، لكننا لم نختلف على حق بعضنا في أن يكون يمنيًا.

الآن يكفي أن يُقال لك: من أين أنت؟

تعزي؟ عدني؟ صنعاني؟ حضرمي؟

حتى المكان صار عند البعض بطاقة تعريف سياسية. يولد الإنسان في مدينة، فيُحمّل فوق كتفيه مواقف جماعة أو سلطة لا علاقة له بها.

وأنا أرى ذلك في تفاصيل الحياة، لا في الكتب. أصدقاء تباعدوا بسبب السياسة، أقارب صاروا ينتقون مواضيع الحديث، وأشخاص أصبحوا يراجعون كلماتهم قبل إرسالها.

حتى الهاتف لم يعد مساحة خاصة دائمًا. في بعض نقاط التفتيش يُطلب من المسافر هاتفه، وتُفتح المحادثات والصور، ويُبحث عن شيء يدل على موقفه. أعرف حالات وصل فيها الأمر إلى السجن بسبب رسالة على «واتساب» وقعت في يد قوة عسكرية تابعة لأحد أطراف الصراع.

حين تصبح رسالة خاصة سببًا للعقوبة، تعرف أن الخوف تجاوز حدود الجبهة.

ثم ظهرت على السطح تصنيفات أقدم: «السادة»، «العبيد»، «المهمشون». وهي لغة تحمل تاريخًا اجتماعيًا قاسيًا، ولا أظن أن اليمن يستطيع بناء مستقبل جديد وهو يعيد إنتاج هذه النظرة إلى الإنسان.

لا أحد يختار نسبه أو مكان ولادته. وما يجب أن يحدد قيمة الإنسان هو ما يفعله، لا ما وُلد عليه.

ثم جاءت السياسة لتضيف طبقة أخرى من الأحكام الجاهزة: من صنعاء فهو حوثي، ومن الجنوب فهو انفصالي، ومن تعز فهو حزبي، ومن حضرموت فهو صاحب مشروع.

وهذا ظلم للناس قبل أن يكون خطأ في السياسة.

في صنعاء ملايين اليمنيين لا يمكن وضعهم في خانة واحدة. وفي الجنوب قضية سياسية لها جذورها وتاريخها، لكنها أيضًا ليست رأيًا واحدًا ولا طريقًا واحدًا. بين هذا وذاك يعيش مواطن يريد فقط أن يكمل يومه.

موظف ينتظر راتبه، مريض يبحث عن علاج، أم تحاول حماية أطفالها، وأسرة تنتظر العودة إلى بيت تركته الحرب، وشاب مرت سنوات عمره وهو يبحث عن فرصة.

بينما ينشغل السياسي بمن يحكم، ينشغل المواطن بكيف يعيش.

هذه الفجوة أصبحت واضحة جدًا. ولهذا لا أعتقد أن تغيير السلطة وحده سيعيد اليمن إلى عافيته. نحن أمام أسئلة أكبر: كيف تُحل القضية الجنوبية؟ كيف تُبنى دولة تستوعب الجميع؟ كيف ينتهي احتكار السلاح؟ وما شكل الدولة التي يمكن أن يعيش فيها المختلفون دون أن يشعر أحد منهم أنه خسر وطنه؟

لا الصاروخ يجيب عن هذه الأسئلة، ولا البندقية.

القضية الجنوبية لا تُلغى بالقوة، والوحدة لا تُفرض بالشعارات، وأي جماعة مهما امتلكت من السلاح لا تستطيع أن تختصر الدولة في نفسها.

الدولة بالنسبة لي ليست من يرفع الراية في صنعاء أو عدن. الدولة هي أن أعرف أن حقي محفوظ حتى لو اختلفت مع من يحكم.

ولهذا أفكر كثيرًا في اليوم الذي تتوقف فيه الحرب.

ليس في شكل الاحتفال، ولا في أسماء الموقعين على الاتفاق، بل في الناس.

هل سيستطيع صديقان افترقا بسبب السياسة أن يجلسا من جديد؟ هل سيعود الجنوبي والشمالي إلى الحديث عن حياتهما بدل البحث عن نقاط الخلاف؟ هل سيستطيع من عاش في منطقة يسيطر عليها الحوثيون أن يعود إلى حياته دون أن يُعامل باعتباره شريكًا في كل ما حدث؟

هذه هي الأسئلة التي تشغلني.

لأن أخطر ما يمكن أن تتركه الحرب هو أن تجعل الانقسام عاديًا في حياتنا.

أن يكبر طفل وهو يعتقد أن اختلاف المنطقة يعني اختلاف الإنسان، وأن يصبح الحذر من الآخر جزءًا من تربيته.

أنا لا أحن إلى زمن بلا مشاكل. أتذكر فقط أننا كنا نعرف كيف نختلف.

كان الاشتراكي اشتراكيًا، والمؤتمري مؤتمريًا، والإصلاحي إصلاحيًا. لكل واحد رأيه وحزبه وجمهوره، لكن ذلك لم يكن يمنحه حق إلغاء الآخر.

أريد أن نستعيد هذه البساطة.

أن تقول رأيك دون أن تخاف، وأن أختلف معك دون أن أبحث عن مكان ولادتك أو نسبك أو جماعتك كي أقرر إن كنت أستحق أن أجلس معك.

أريد يمنًا يستطيع فيه الجنوبي أن يحمل قضيته، والشمالي أن يحمل رؤيته، والاشتراكي والمؤتمري والإصلاحي والمستقل أن يمارسوا السياسة، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية أو حكم على الإنسان.

قد تنتهي الحرب باتفاق.

لكن استعادة الثقة تحتاج وقتًا أطول.

وهنا أخشى أن تكون مهمتنا الأصعب بعد توقف البنادق هي أن نتعلم من جديد كيف نرى بعضنا.

ليس كحوثي أو جنوبي أو شمالي أو اشتراكي أو مؤتمري أو إصلاحي أو «سيد» أو «مهمش».

بل كـ يمني.

لأنني أعتقد أن خسارتنا الأكبر لن تكون عندما نخسر مدينة، وإنما عندما يصبح الإنسان اليمني غريبًا في نظر أخيه.

هناك، بالضبط، يبدأ فقدان اليمن.