لم يعد حلول ذكرى المولد النبوي في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين مجرد مناسبة روحانية تُستحضر فيها سيرة النبي وقيمه، بل تحول بمرور السنوات إلى أضخم موسم سياسي واقتصادي يُوظف بعناية فائقة لغرض تسييس الدين وخدمة مشروع الهيمنة.
لا تقتصر المسألة هنا على مظاهر الاحتفال أو الأضواء الخضراء التي تكسو المدن، بل تتجاوز ذلك لتصبح آلية مركزية في إعادة إنتاج السلطة، حيث يتم تحويل الفضاء العام إلى مسرح لاستعراض النفوذ، وفرض حضور الجماعة كجهة وحيدة تمتلك حق تحديد شكل التدين العام وتفرض رموزها وشعاراتها على المجتمع قسراً.
في هذا السياق، يعمل الاحتفال كأداة هندسة اجتماعية وسياسية. فمن خلال الكثافة البصرية والسمعية المفروضة في الشوارع والمؤسسات، يتم إعادة تشكيل المجال العام ليصبح انعكاساً للون الجماعة وصوتها، مما يوجه رسالة ضمنية وحازمة مفادها أن السلطة القائمة لا تحكم بقوة السلاح فحسب، بل تستمد نفوذها من احتكار التأويل الديني. هكذا، يُنتزع المولد من سياقه الشعبي العفوي ليصبح منصة رسمية لـ "شرعنة السلطة"، ومناسبة لاختبار ولاء المؤسسات والأفراد عبر إجبارهم على الانخراط في الطقوس التي تصممها السلطة.
تتجلى أقصى درجات هذا التوظيف في تحويل الدين إلى مورد مالي ضخم، حيث تصبح المناسبة النبوية أداة شرسة لفرض الجباية. وتحت لافتة "الاحتفاء برسول الله"، تُفرض التبرعات والرسوم والمساهمات المالية على التجار والموظفين والمواطنين العاديين، في مشهد يخلق مفارقة صارخة ومرعبة؛ ففي الوقت الذي يُعاني فيه المجتمع من انهيار اقتصادي شامل، وتوقف تام لرواتب الموظفين الحكوميين لسنوات، واتساع رقعة الفقر والجوع، تُنفق أموال هائلة على اللافتات، والطلاء الأخضر، والميكروفونات، والفعاليات الاستعراضية. هذا التناقض الحاد بين ضخامة الإنفاق على المظاهر الاحتفالية وبين بؤس الواقع الإنساني، يكشف كيف يتم استنزاف موارد الدولة ومؤسساتها، التي يُسخر كل جهدها الإداري والمالي لخدمة الفعالية على حساب أولويات مجتمع يفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية.
ولا يتوقف الأمر عند الجباية واستنزاف المقدرات، بل يمتد إلى توظيف المناسبة في إعادة تصنيف المجتمع وخلق فرز طبقي خطير. فالخطاب الديني المرافق لهذه الاحتفالات لا يتحدث عن مجتمع متساوٍ، بل يعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية من خلال تقسيم الناس إلى مراتب ودوائر تتفاوت في المكانة والحق والولاء. وفي قلب هذا الخطاب، يتم توظيف المقدس وسيرة النبي وآل البيت لبناء سردية سياسية تمنح جماعة بعينها "الامتياز الوراثي" والأفضلية المطلقة، وتدعي امتلاكها حقاً حصرياً واستثنائياً في الحكم. هكذا، يتحول مصطلح "آل البيت" أو "السادة" من دلالة النسب إلى رافعة لإنتاج امتياز اجتماعي وسياسي واقتصادي يبرر الاستعلاء على بقية فئات الشعب.
هذا الربط المتعسف بين شخص النبي وبين القيادة السياسية الحالية للجماعة يهدف إلى إضفاء طابع ديني ومقدس على الرموز السياسية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تحصين السلطة من النقد. فعندما تُطابق الجماعة بين نفسها وبين "الرسالة"، يتحول أي اعتراض سياسي على ممارساتها أو فشلها الإداري إلى اتهام بمعاداة الدين والتنكر للمقدسات، مما يغلق باب المساءلة كلياً ويجرم المعارضة.
ولعل أخطر ما يفرزه هذا التوظيف السياسي هو التشويه العميق للسيرة النبوية ذاتها. لا يحدث هذا التشويه عبر الطعن المباشر، بل عبر الاختزال؛ حيث تُفرغ السيرة من مضامينها الإنسانية والأخلاقية العظيمة المتعلقة بالعدل، والرحمة، وصيانة الحقوق، وحرمة الدماء، ورفض الظلم والاستعلاء، لتُختزل في مجموعة من الطقوس الشكلية، والشعارات السياسية، والزينة الخضراء. هذا الانفصام يتضح جلياً في التناقض بين كثافة الشعارات المرفوعة عن نصرة المستضعفين، وبين الممارسات الفعلية على الأرض، حيث تتهم الجماعة بالانخراط في عمليات قمع، وسطو، ونهب، واختطاف، وإقصاء للمخالفين، والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة.
وحتى المساجد، التي يُفترض أن تكون دوراً للعبادة والتأمل والسكينة، لم تسلم من هذا التحول العنيف. ففي ظل خطاب يدعي قداسة المناسبة، يتم انتهاك حرمة العديد من المساجد وساحاتها، لتتحول إلى فضاءات للزامل (الأهازيج القبلية والقتالية)، والرقص بالسلاح، وجلسات مضغ القات، في مفارقة تكشف المسافة الشاسعة بين ادعاءات التقديس وبين الممارسة العملية التي تُسقط هيبة الأماكن الدينية وتوظفها كمنصات للتعبئة العسكرية والسياسية.
إن التأمل في هذه التحولات المعقدة، وفي حجم الموارد المستنزفة، والخطاب الطبقي المنتج، يقودنا إلى تجاوز السطح الاحتفالي للنظر في جوهر هذه الظاهرة وبنيتها العميقة. وهو ما يضعنا أمام تساؤل مركزي لا يمكن تجاوزه: هل الاحتفاء بالمولد النبوي هنا ممارسة دينية مستقلة تهدف إلى استلهام قيم النبوة، أم أنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة سياسية محكمة، تستخدم الدين لإنتاج الشرعية، وتكريس الامتياز، وفرض الجباية، وإعادة تشكيل المجتمع بأسره لخدمة سلطة الأمر الواقع؟