كتبت أمس مقالا عن المؤتمر الشعبي العام، وعن تجربته الطويلة، وعن السؤال الذي يظل يتكرر كل عام: هل ما زال المؤتمر رقماً سياسياً لا يمكن تجاوزه؟ واليوم لا أريد أن أعيد ما كتبته أمس، ولا أن أدخل في جدل الأرقام والأوزان السياسية.
بصراحة، لا يهمني كثيراً أن نقول إن المؤتمر رقم صعب أو رقم مهم. كيف يكون رقماً صعباً، وأنا أرى أن معظم أعضائه وقياداته والجنود والضباط والقبائل الذين كانوا محسوبين على صالح في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحوا اليوم يقاتلون مع الجماعة، بعضهم تحت الضغط، وبعضهم بحكم الأمر الواقع، وبعضهم ربما اختار ذلك.
وهنا يجب أن نفرق.
هناك من يقاتل مع الجماعة لأنه يؤمن بها، وهناك من يقاتل تحت الضغط، وهناك من يعيش تحت سلطتها ولا يملك القدرة على رفض ما تفرضه عليه. لكن في النهاية نحن أمام واقع مؤلم، وأمام حزب كان له حضور واسع، ثم وجد جزء كبير من أعضائه وقياداته أنفسهم داخل سلطة الأمر الواقع الحوثية.
لذلك لا يهمني كثيراً تكرار القول إن المؤتمر ما زال رقماً في المعادلة اليمنية. هذا الكلام أصبح يتكرر في كل مناسبة حتى فقد كثيراً من معناه.
ما يهمني هو سؤال آخر: إذا كان المؤتمر رقماً، فما قيمة هذا الرقم اليوم؟ وماذا سيفعل به؟ وهل يستطيع أن يحول هذا الوزن السياسي إلى موقف وطني واضح، أم سيظل مجرد اسم كبير يعيش على ذاكرة الماضي؟
الرقم السياسي وحده لا يبني دولة.
قد يكون لديك حزب كبير، وقيادات كثيرة، وقواعد واسعة، وتاريخ طويل، لكن ماذا تركت وراءك؟ هل تركت مؤسسة أقوى؟ هل بنيت جيلاً من الكوادر يستطيع إدارة الدولة؟ هل جعلت القانون أقوى من الأشخاص؟
هنا تبدأ المشكلة.
المؤتمر يحتاج اليوم، قبل الحديث عن العودة إلى السلطة أو الدخول في تحالفات جديدة، إلى شيء أصعب من الخطابات: يحتاج إلى الاعتذار.
اعتذار واضح عن الأخطاء التي ارتكبت بحق الدولة والجمهورية والوحدة والمجتمع. اعتذار عن مرحلة أصبح فيها الشخص أكبر من المؤسسة، وأصبح الولاء للزعيم في أحيان كثيرة أهم من الولاء للدولة.
الاعتذار ليس عيباً.
بالعكس، أحياناً يكون الاعتذار هو أول خطوة لاستعادة الثقة. الحزب الذي يقول لليمنيين: أخطأنا، ودفع اليمن ثمن أخطائنا، هو حزب يستطيع أن يبدأ من جديد.
أما أن نبرر كل شيء، ونعتبر كل نقد مؤامرة، وكل مراجعة خصومة، فهذا يعني أننا لم نتعلم شيئاً.
وهنا أتوقف عند التحالفات.
التحالف مع القبيلة والمطاوعة وما تركه من آثار على مشروع الوحدة، ثم التحالف مع الحوثيين في 2014، ليست صفحات يمكن أن نغلقها ونقول انتهت.
خصوصاً تحالف المؤتمر مع الحوثيين.
حزب ظل يرفع شعار الجمهورية والوحدة والدولة، وجد نفسه في لحظة من اللحظات متحالفاً مع جماعة مسلحة انقلبت على الجمهورية والدولة، وانتهى الأمر بسقوط صنعاء ومؤسساتها.
ولا أقول إن المؤتمر وحده يتحمل مسؤولية ما حدث. لا. الإصلاح مسؤول، والقبيلة مسؤولة، والعسكر مسؤولون، وبقية القوى السياسية لها أخطاؤها ومسؤولياتها.
لكن المؤتمر كان في قلب السلطة لعقود.
ولهذا، من الطبيعي أن يبدأ من نفسه.
ليس المطلوب جلد الذات، ولا إلغاء تاريخ الحزب، وإنما أن ينظر إلى الماضي كما هو، بأخطائه ونجاحاته، ويتعلم منه.
فالمعركة اليوم ليست على من سيكون الحزب الأكبر، ولا على من سيجلس أطول فترة في كرسي السلطة.
المعركة على الدولة.
اليوم أنت في الحكم، وغداً غيرك، والدولة هي الباقية.
هذه الجملة وحدها لو فهمتها أحزابنا وقوانا السياسية، لربما تغير الكثير.
المشكلة ليست في القيادات وحدها، بل في الأعضاء أيضاً.
عندما يتحول العضو إلى شخص يخاف من قيادته أكثر مما يخاف على مستقبل بلده، تصبح المشكلة أكبر من قرار قيادة.
وهذا ما رأيناه في مراحل كثيرة.
عندما تحالف علي عبدالله صالح مع الحوثيين، وقف كثير من المؤتمريين خلفه، ليس لأنهم كانوا مقتنعين بأن الحوثيين يمثلون مشروع الدولة، وإنما لأن الولاء للقيادة والمصلحة الشخصية غلبا المصلحة الوطنية.
ثم سقطت عمران.
وسقطت صنعاء.
وتوالت المحافظات.
حتى وصلت الجماعة إلى الحديدة.
وهنا يروي أبناء المدينة أن طقماً عسكرياً واحداً فقط تابعاً لجماعة الحوثيين المسلحة دخل المدينة، وهو يسأل عن موقع مكتب المحافظة. ومن هناك أعلنت الجماعة سيطرتها على المدينة.
قد يرى البعض أن هذه مجرد حكاية صغيرة أمام حجم الكارثة، لكنني أراها تختصر شيئاً كبيراً.
تختصر إلى أي درجة كانت الدولة ضعيفة، وإلى أي درجة كانت الولاءات أقوى من مؤسسات الدولة.
ولا يمكن أيضاً تجاهل أن معظم أعضاء المؤتمر، وحتى كثيراً من الجنود والضباط والقبائل الذين كانوا محسوبين على صالح، أصبحوا اليوم يقاتلون مع الجماعة تحت ضغط وسيطرة جماعة الحوثي كأمر واقع في مناطق سيطرتها.
وهذا لا يعني أنهم جميعاً اختاروا الوقوف معها.
هناك فرق بين من يؤيد الجماعة باختياره، ومن يؤيدها تحت الضغط، ومن يعيش تحت سلطتها ولا يستطيع أن يقول لا.
لكن هذه النتيجة نفسها يجب أن تجعل المؤتمر يتوقف ويسأل نفسه: كيف وصلنا إلى هنا؟
الحزب الذي يريد أن يبني دولة لا يحتاج إلى أعضاء يصفقون لكل ما تقوله القيادة.
يحتاج إلى أعضاء يقولون لها عندما تخطئ: هنا أخطأت، وهنا يجب أن نراجع أنفسنا.
فالعضو الذي يتماهى مع قيادته إلى درجة يفقد معها القدرة على قول الحقيقة داخل حزبه، لن يستطيع أن يكون جزءاً من مشروع دولة حقيقي.
لأنه سيكون تابعاً، وليس شريكاً.
وهذه ليست مشكلة المؤتمر وحده. إنها مشكلة في ثقافتنا السياسية كلها.
نريد أعضاء أحزاب يستطيعون الاختلاف، لا أعضاء يجيدون التصفيق.
نريد حزباً تكون فيه المؤسسة أقوى من الشخص، والنقد حقاً وليس خيانة.
أما المؤتمر، فلا يحتاج اليوم إلى إثبات أنه موجود. فوجوده معروف، وحضوره السياسي معروف.
لكن السؤال ليس: هل المؤتمر موجود؟
السؤال: ماذا سيفعل بهذا الوجود؟
هل سيعود إلى لعبة السلطة القديمة، والتحالفات، ومراكز النفوذ؟
أم سيحاول أن يكون جزءاً من مشروع استعادة الدولة؟
هنا تكمن أهمية المرحلة.
والمسألة لا تخص المؤتمر وحده. كل الأحزاب التي شاركت في إدارة اليمن أو الصراع عليه مطالبة بأن تراجع نفسها.
لقد أضعفنا الدولة ونحن نختلف، وأضعفناها أكثر عندما اتفقنا أحياناً على تقاسم النفوذ والمغانم بدلاً من بناء المؤسسات.
ولهذا لا نحتاج اليوم إلى حزب يريد أن يكون أكبر من الجميع، ولا إلى حزب يريد احتكار الدولة، ولا إلى حزب إذا خرج من السلطة حاول هدمها على من جاء بعده.
نحتاج أحزاباً تعرف أن السلطة مؤقتة.
الكرسي ينتقل.
والأشخاص يرحلون.
أما الدولة، فهي التي يجب أن تبقى.
وأعتقد أن المؤتمر أمام فرصة، إذا أراد، ليقول لليمنيين شيئاً مختلفاً هذه المرة:
أخطأنا.
ودفع اليمن ثمن أخطائنا.
وتعلمنا.
ولن نكررها.
عندها فقط يصبح الاعتذار بداية، وليس نهاية.
ويصبح الرقم السياسي مسؤولية، وليس مجرد نفوذ.
ويصبح المؤتمر، إن استطاع أن يعيد بناء نفسه كمؤسسة، من ثقل سياسي إلى مشروع دولة.
فاليمن لا يحتاج إلى عودة الماضي كما كان.
اليمن يحتاج إلى أحزاب تتعلم من الماضي، وتضع الدولة فوق الحزب، والوطن فوق القيادة، والمؤسسة فوق الشخص.
لأن الأشخاص يرحلون، والقيادات تتغير، والتحالفات تنتهي.
أما الدولة، فيجب أن تبقى.