آخر تحديث :الأحد-30 أغسطس 2026-07:34ص

بين الحصاد المر والذاكرة الوطنية

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 03:56 م
صخر الخطيب


لماذا يعود اليمنيون لمراجعة حقبة صالح خمسة عشر عاماً من الصراع في اليمن لم تكن مجرد أزمة سياسية في أروقة الحكم بل كانت طاحناً يوماً بعد يوم للمعيشة اليومية وللنسيج الاجتماعي لقد تحوّلت الحرب إلى واقع أليم يُقاس بانهيار الريال والغلاء الفاحش وانقطاع المرتبات وتهاوي الخدمات الأساسية في ظل هذا التردي المباشر لم يعد الحنين إلى عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح مجرد تعصب سياسي بل نتيجة طبيعية لمقارنة معيشية وميدانية يلمسها المواطن في قوته اليومي واستقرار أسرته


عقب عام 2011 رُفعت شعارات التغيير والتنمية لكن الحصاد الميداني جاء بانتكاسة اقتصادية غير مسبوقة أدى تسيد المشاريع الضيقة للجماعات المسلحة والأحزاب الإيديولوجية إلى تجزئة الاقتصاد الوطني واستبدال مؤسسات الدولة بآليات الجباية والمجهود الحربي لقد عجزت الإدارات المتعاقبة عن تقديم أي نموذج تنموي فبدلاً من المشاريع والخدمات واجه المواطن غلاءً معيشياً وتوقفاً للرواتب وانهياراً للقدرة الشرائية مما أثبت أن المشاريع الفئوية غير القادرة على إدارة اقتصاد دولة لا يمكن أن تشكل بديلاً حقيقياً


لم يقف الضرر عند حدود الاقتصاد بل امتد ليمس السلم الأهلي والهوية الجامعة تم استبدال المواطنة المتساوية وسيادة القانون بأساليب التطييف والمناطقية والصراعات المذهبية أمام هذا الانكشاف الاجتماعي بدأت تتشكل قناعة لدى قطاع واسع من الشعب بأن تحذيرات علي عبد الله صالح من مخاطر الفوضى وتفكك مؤسسات الدولة كانت تشخيصاً دقيقاً للمآلات إن التحول الشعبي من النقد السيادي القديم إلى التقدير لدولة المؤسسات السابقة نابع من إدراك مجتمعي بأن الأمن الشخصي واستقرار الأسواق والتعايش المجتمعي أسباب لا تحافظ عليها إلا دولة حقيقية.


هذه المراجعة المعيشية والاجتماعية انعكست بوضوح في الخارطة السياسية والعسكرية الراهنة إذ يتجلى اليوم التفاف شعبي وميداني حول القوى الوطنية التي تمثل الامتداد المؤسسي والتنموي لتلك الحقبة وتقديم قيادات بارزة كخيار واقعي ومتمرس لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار الاقتصادي والأمني وتوحيد الصف لمواجهة المشروعات العقائدية والميليشياوية.


إن تقييم تجربة الماضي عبر منظور المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للحاضر يجعل من العودة إلى القواعد الوطنية الجامعة أمراً ملحاً لم تعد المقارنة ترفاً فكرياً بل موقفاً فرضه واقع 15 عاماً من الغلاء والنزوح وتفكك المجتمع وتظل استعادة الدولة بمؤسساتها وهويتها الجامعة هي الطريق الوحيد لإعادة الأمان الاجتماعي والعيش الكريم لكل أبناء اليمن.