قرأت مقال الأستاذ حمود خالد الصوفي عن المؤتمر الشعبي العام في الذكرى الـ44 لتأسيس المؤتمر، وهو مقال يقدم رؤية مختلفة للمؤتمر باعتباره رقماً سياسياً لا يمكن تجاوزه، بل يصل إلى اعتباره ضرورة في أي تسوية سياسية قادمة. أحترم هذه القراءة وتجربة صاحبها، لكنني أختلف معها في نقطة أساسية: بقاء المؤتمر رقماً سياسياً لا يعني بالضرورة أن تجربته كانت ناجحة في بناء الدولة، ولا أن حضوره الحالي يجب أن يكون امتداداً لدوره السابق.
بالنسبة للوطن، المسألة ليست في الرقم. السؤال الحقيقي هو: ماذا قدم هذا الرقم للدولة خلال ثلاثة وثلاثين عاماً من حكم علي عبدالله صالح؟ وهل كان رقماً للدولة والوطن، أم رقماً في لعبة السلطة؟
فالمؤتمر الشعبي منذ تأسيسه في العام 1982، فإنه لم يتشكل كحزب مؤسسي بالمعنى المعروف في الأحزاب الحديثة. كان فيه المشايخ وكبار مسؤولي الدولة وأصحاب النفوذ، وظلت القبيلة ومراكز القوة حاضرة بقوة في طريقة إدارة الحكم. وكان علي عبدالله صالح نفسه يصف سياسته بالرقص على رؤوس الثعابين.
لكن الرقص على الثعابين قد يساعد الرئيس على البقاء، لكنه لا يبني دولة.
ثم جاءت الوحدة عام 1990، وكانت فرصة كبيرة لليمن. الحزب الاشتراكي دخل الوحدة وهو يحمل مراجعة لتجربته السابقة، وتنازل عن رئاسة دولة قائمة ومعترف بها دولياً، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
كان الأمل أن تكون الوحدة بداية لدولة يمنية حديثة، ديمقراطية، تقوم على المواطنة المتساوية.
كان يمكن للمؤتمر أن يستفيد من هذه اللحظة، وأن ينتقل من عقلية النفوذ و"الرقص على الثعابين" إلى عقلية الدولة. لكن الأمور اتجهت في طريق آخر. بدأت الاغتيالات، واتسعت الخلافات، ثم جاءت حرب 1994.
انتصر علي عبدالله صالح عسكرياً، لكن مشروع الدولة خسر.
ولا يمكن هنا فصل السياسة عن الاقتصاد. فالدولة لا تقوم بالشعارات وحدها، والاقتصاد أحد أعمدتها الأساسية. ضعف المؤسسات لم يكن مجرد نتيجة للخلاف السياسي، بل أصبح في مراحل كثيرة جزءاً من طريقة إدارة الصراع، من خلال توزيع الإيرادات والامتيازات على النخب العسكرية والقبلية ومراكز النفوذ.
لهذا لم يعد الفساد مجرد أخطاء إدارية يمكن علاجها بقانون جديد أو قرار من مسؤول. في بعض الحالات تحول إلى وسيلة لشراء الولاءات وإبقاء شبكة النفوذ قائمة. وعندما تصبح موارد الدولة جزءاً من لعبة سياسية، يصبح الولاء أهم من الكفاءة، ويصبح القرب من مركز القوة أحياناً أهم من المؤسسة نفسها.
وهذا ما جعل بناء الدولة أصعب.
ومن هنا أفهم ما طرحه د. ياسين سعيد نعمان حول «توازن الضعف». اليمن لم يكن دائماً أمام طرف قوي وآخر ضعيف. في كثير من المراحل كان ضعف الدولة هو الذي يسمح لقوى أخرى بأن تبدو أقوى من حجمها الحقيقي. وحتى عندما يضعف طرف، لا يعني ذلك أن الدولة استعادت قوتها تلقائياً.
الدولة تستعيد قوتها عندما تجد مؤسسات قادرة على استثمار اللحظة وإعادة بناء القوة، لا عندما تنتظر سقوط خصومها.
وهنا أصل إلى المقارنة التي تؤلمني أكثر من غيرها: علي عبدالله صالح ودنغ شياو بينغ.
في عام 1978 كان الاثنان أمام ظروف صعبة. الصين كانت فقيرة، ولم تكن الصين التي نراها اليوم.
دنغ اختار الإصلاح والتنمية وبناء المؤسسات. لم يجعل المشروع مرتبطاً ببقائه في الواجهة. رحل، لكن المشروع استمر، وتغيرت القيادات، وبقيت الصين تتقدم.
وأنا أعيش واقع اليمن، أقرأ عن الصين التي خرجت من الفقر إلى دولة كبرى، ثم أنظر إلى بلادي وأسأل نفسي: أين أخطأنا؟
اليمن لم يكن يفتقد الرجال، ولا الأفكار، ولا الفرص. الذي افتقدناه هو القدرة على تحويل السلطة إلى مؤسسات، وتحويل الأحزاب إلى مؤسسات، وجعل الدولة أقوى من الأشخاص ومن الولاءات القبلية.
دنغ رحل وبقي المشروع. أما هنا في اليمن فقد ارتبط المؤتمر طويلاً بشخص علي عبدالله صالح، حتى أصبح حضوره جزءاً من صورة الحزب وتركيبته وموازين القوى داخله.
ولعل المفارقة هنا أن الحديث عن ضرورة المؤتمر اليوم لا يلغي سؤالاً ظل قائماً منذ سنوات: أي مؤتمر نقصد؟ المؤتمر الذي ارتبط طويلاً بشخص الزعيم ومراكز النفوذ، أم مؤتمر يعيد بناء نفسه كمؤسسة سياسية؟
بقاء الاسم والحضور لا يكفي إذا لم يصاحبه تغيير في طريقة التفكير والعمل والتنظيم. وهذه ليست مسألة خصومة مع المؤتمر أو إنكار لدوره، بل هي في رأيي شرط لاستمرار هذا الدور. فإذا كان المؤتمر رقماً سياسياً مهماً، فإن الحفاظ على هذا الرقم لا يكون بالتمسك بالماضي، وإنما بإعادة بناء الحزب على أساس مؤسسي، بحيث تصبح قياداته ومؤسساته أقوى من الأشخاص، ويصبح مشروعه السياسي أكبر من أي زعيم.
ثم جاءت أحداث 2011 لتسقط النظام وتكشف فراغاً سياسياً ومؤسسياً واسعاً، لم تستطع القوى المدنية ملأه. ومن هذا الفراغ وجد المشروع السلالي طريقه.
الحوثيون لم يأتوا إلى دولة مستقرة ليهدموها. وجدوا دولة أنهكتها الصراعات، ومؤسسات أضعفها الانقسام، فدخلوا من تلك الثغرات.
ثم عاد علي عبدالله صالح إلى المشهد السياسي، فعاد المؤتمر معه إلى الواجهة، لكنه لم يعد المؤتمر نفسه. انقسمت قياداته وتوزعت مراكزه، ثم دخل لاحقاً في تحالف مؤقت مع الحوثيين.
وهنا واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في تاريخ المؤتمر: حزب رفع راية الجمهورية والوحدة يجد نفسه في تحالف مع جماعة انقلبت على الجمهورية والدولة، ثم دخلت الجماعة صنعاء وسيطرت على مؤسسات الدولة، وتحالف معها المؤتمر في لحظة كشفت حجم المأزق الذي وصلت إليه الحياة السياسية اليمنية.
ثم انتهت حياة علي عبدالله صالح في ديسمبر 2017. لكن السؤال الذي تركه رحيله لم يكن متعلقاً بشخصه وحده، بل بمستقبل المؤتمر نفسه: هل يستطيع الحزب أن يعيش كمؤسسة سياسية بعد غياب الرجل الذي ارتبط به طوال عقود؟
وهنا تكمن المشكلة الأعمق. الأزمة لم تكن في شخص علي عبدالله صالح وحده، وليست في المؤتمر وحده. كانت هناك منظومة سياسية كاملة جعلت الحزب مرتبطاً بالأشخاص أكثر من ارتباطه بالمؤسسات، وجعلت موازين القوة والنفوذ تتقدم كثيراً على العمل الحزبي المؤسسي.
ومع ذلك، لا أرى أن المؤتمر وحده يتحمل مسؤولية ما وصل إليه اليمن. الإصلاح والقبلية والعسكرية لهم نصيبهم من المسؤولية.
اتفقوا فأضعفوا مشروع الدولة، واختلفوا فأضعفوا اليمن.
واليوم لا أعتقد أن السؤال هو: هل المؤتمر رقم صعب؟
السؤال الذي يهمني أكثر: هل يستطيع المؤتمر أن يتغير؟
هل يستطيع أن يخرج من ظل الزعيم، ومن حسابات القبيلة والنفوذ، ويبني حزباً مدنياً حقيقياً تكون مؤسساته أقوى من الأشخاص؟
ربما تكون هذه هي الفرصة. ضعف الأحزاب القديمة يمكن أن يكون بداية لإعادة بناء الحياة السياسية، كما أن ضعف أي مليشيا يمكن أن يصبح فرصة للدولة إذا عرفت كيف تستثمره. لكن الفرصة وحدها لا تكفي. المطلوب الاعتراف بالأخطاء، ثم بناء مؤسسات لا تقوم على شخص ولا قبيلة ولا مركز نفوذ.
اليمن لا يحتاج إلى عودة مؤتمر الأمس، ولا إصلاح الأمس، ولا اشتراكي الأمس.
يحتاج إلى قوى سياسية تتعلم من أخطائها، وتضع الجمهورية والوحدة والمواطنة المتساوية فوق الحزب والقبيلة والشخص.
في النهاية، لا أعتقد أن المشكلة كانت في أن اليمنيين لم يعرفوا كيف يرقصون على رؤوس الثعابين. ربما أتقنّا الرقص أكثر مما ينبغي.
المشكلة أننا انشغلنا بالرقص، ونسينا بناء الدولة.
وحان الوقت أن نتوقف عن "الرقص فوق الثعابين"، ونبدأ ببناء اليمن الذي أضعناه جميعاً.