احيانا يكفي لقاء واحد حتى تخرج بانطباع يبقى معك. هذا ما حدث معي اليوم في جلستي مع الدكتور حاتم علي باسرده، نائب رئيس المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
لم يمض على تعيينه سوى اربعة اشهر، لكن حديثه عن التأمينات لم يكن حديث مسؤول جديد ما زال يتعرف على المؤسسة وملفاتها. جاء من الجامعة، من الوسط الاكاديمي، ووجدته يتحدث عن العملية التأمينية، وعن الوعي التأميني تحديدا، وكأنه يعرف من اين تبدأ المشكلة.
وهذه النقطة لفتتني.
العامل في القطاع الخاص او المختلط قد يكون اسمه مسجلا في التأمينات، لكنه لا يعرف ماذا يعني ذلك له. لا يعرف حقوقه، ولا ماذا ينتظره عند الشيخوخة او العجز او الوفاة. وبعض اصحاب الاعمال ايضا ينظرون الى الاشتراكات باعتبارها عبئا، لا باعتبارها حماية للعامل واستقرارا للعمل.
تحدثنا عن التهرب التأميني، وعن الظروف التي زادت من صعوبة العمل، وهنا قلت للدكتور حاتم ان الاعلام لا ينبغي ان يكون مجرد اخبار وفعاليات. نحن بحاجة الى اعلام يتحدث مع العامل بلغته، ويقول له ببساطة: هذا حقك، وهذا واجبك، وهذه المؤسسة موجودة لتحميك عندما تحتاج اليها.
وجدته متفقا معي في اهمية هذا الجانب، وهذا ما اعجبني في الحديث.
وتحدثنا ايضا عن البطاقة التأمينية، وعن اهمية تفعيلها في معاملات الدولة، وربطها بالمناقصات وتراخيص مزاولة المهنة وغيرها. واشار الى تحركات خلال الاسابيع القادمة للقاء قيادات في عدن والجهات الحكومية من اجل تفعيل شرط البطاقه التامنيية شرط أساسي في تجديد أصحاب الأعمال ترخيصها وفي المناقصات
انا لا انظر الى التأمينات باعتبارها ملفات وارقاما ومكاتب فقط. خلف كل اشتراك عامل، وخلف العامل اسرة، وخلف سنوات العمل انسان يريد ان يعرف ماذا سيحدث له عندما يصل الى الشيخوخة او يعجز عن العمل.
لهذا لا ينبغي ان تبقى التأمينات بعيدة عن النقابات العمالية، والغرفة التجارية، والمنظمات المحلية والدولية، والقوى السياسية والمجتمعية، والاحزاب التي ارتبط تاريخها بقضايا العمال وحقوقهم. هذه القوى عليها ان تعود الى هذه القضايا، وان يكون لها موقف واضح من الحماية الاجتماعية، وان تكون شريكا في نشر الوعي التأميني، وتوجيه اصحاب الاعمال نحو الالتزام بالتأمينات، وتعريف العاملين بحقوقهم.
حماية العامل ليست مسؤولية المؤسسة وحدها.
التأمين حق، وليس منة.
ومن هنا اقول شكرا للاستاذ سالم ابوبكر ثابت العولقي، وزير الخدمة المدنية والتأمينات ورئيس مجلس ادارة المؤسسة، على حسن اختيار الاستاذ عبد الحكيم الحياني رئيسا للمؤسسة، والدكتور حاتم باسرده نائبا له.
الدكتور حاتم جاء من الجامعة، ويحمل معه اهتماما واضحا بالعملية التأمينية، ولاسيما الوعي التأميني. والاستاذ عبد الحكيم الحياني جاء الى رئاسة المؤسسة من الخدمة المدنية والتأمينات، حاملا معه خبرة في العمل الاداري وفهما للجانب التأميني.
واقولها بصراحة، منذ تعييني في المؤسسة تعاقب عليها اربعة رؤساء ونوابهم، لكنني لم اجد هذا القدر من الانسجام والتفاهم بين رئيس المؤسسة ونائبه كما وجدته بين الحياني وباسرده منذ تعيينهما وحتى اليوم.
هذا الانسجام اسعدني.
واملي كبير ان ينعكس على تطوير العمل التأميني وتوسيع مظلته، وان تصل المؤسسة الى شرائح اكبر من العاملين، وان تتحول هذه الروح بين الرجلين الى عمل يلمسه الناس.
والاهم ان يقف الجميع الى جانب الاستاذ عبد الحكيم الحياني والدكتور حاتم باسرده. المؤسسة تحتاج الى تعاون الجميع، وتحتاج ايضا الى ان تمنح كوادرها الاعلامية المساحة الكافية حتى تقوم بدورها الحقيقي.
فالاعلام التأميني ليس مجرد نشر خبر عن اجتماع او فعالية. هو الذي يصل الى العامل في موقع عمله، ويشرح له حقه، ويقرب المؤسسة منه.
القضية في النهاية ليست بطاقة يحصل عليها صاحب العمل حتى يمرر معاملته، ولا بطاقة يضعها العامل في جيبه.
القضية ان يعرف صاحب العمل ان الاشتراك الذي يسدده للمؤسسة هو التزام ومسؤولية، وان يعرف العامل ان ما يدفع باسمه ليس مجرد مبلغ يخصم من راتبه، وانما حق له ولاسرته.
هنا اشعر ان التأمينات تبدأ فعلا من الناس، لا من الملفات.
وهذا ما جعلني اخرج من لقاء اليوم بانطباع جيد، وامل اكبر بان يكون هذا الانسجام بين قيادة المؤسسة بداية لعمل تأميني اوسع واقرب الى الناس.