آخر تحديث :الأربعاء-19 أغسطس 2026-02:20م

بعد 11 عاما من الحرب استعادة الدولة ام استعادة القرار؟

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - الساعة 11:28 ص
عارف ناجي علي


قبل الحرب والانقلاب الحوثي كان اليمن يعيش أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة لكنه ظل دولة واحدة بمؤسسات ومرجعيات سياسية وعسكرية ومالية موحدة كانت صنعاء عاصمة الدولة ومركز قرارها، وكانت الخلافات تُدار رغم حدتها داخل إطار مؤسسات الدولة.


ثم جاء انقلاب مليشيا الحوثي وسيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة فتحول الصراع من خلاف سياسي إلى حرب على الدولة ومؤسساتها ودخل اليمن في صراع عسكري وسياسي مفتوح تداخلت فيه الأطراف المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية.


كان الهدف المعلن للحرب هو استعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين واستعادة صنعاء ورفع شعار قادمون يا صنعاء لكن بعد أحد عشر عامًا ما زالت صنعاء خارج سيطرة الشرعية ولم تُستعد الدولة ولم تنتهِ الحرب ولم يتحقق السلام.


وخلال هذه السنوات دفع اليمنيون الثمن الأكبر نزوح وفقر وبطالة تدهور العملة وارتفاع الأسعار وانقسام المؤسسات المالية وتراجع التعليم والصحة والخدمات وتضرر البنية التحتية فيما فقدت أجيال كاملة سنوات من التعليم والاستقرار والأمان.


ولم تكن المشكلة في عدم تحقيق الهدف العسكري وحده بل في أن المناطق الواقعة تحت سلطة الشرعية لم تقدم طوال سنوات الحرب نموذجًا مقنعًا في الإدارة والخدمات والاقتصاد وبناء المؤسسات فأصبح المواطن يعيش بين سلطات متعددة واقتصاد منقسم ورواتب وخدمات تتحول إلى أدوات في الصراع.


وهنا تبرز القضية الأهم وهي ان الشرعية نفسها لم تعد تملك بصورة كاملة قرار الحرب والسلام والاقتصاد بعد أن أصبحت قراراتها الكبرى مرتبطة بدرجة كبيرة بحسابات التحالف وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ولذلك لم يعد السؤال فقط لماذا لم تستعد صنعاء؟ بل هل تمتلك الشرعية أصلًا القرار الذي يمكنها من استعادة الدولة؟


كما أن طريقة التعامل مع القوى اليمنية المختلفة زادت من تعقيد المشهد فالصراع السياسي والعسكري مع بعض القوى الجنوبية لم يُقابله حسم مماثل في مواجهة الحوثيين الأمر الذي أدى إلى اختلالات جديدة في موازين القوة بينما بقيت القضية الجنوبية دون معالجة سياسية نهائية.


وبعد أحد عشر عامًا لم يعد مقبولًا استمرار الحرب بوصفها قدرًا مفتوحًا ولا استمرار إدارة المناطق المحررة بالآليات نفسها ولا إعادة تدوير النخب والقيادات ذاتها دون مراجعة حقيقية للأداء والنتائج.


اليمن اليوم لا يحتاج فقط إلى استعادة صنعاء بل إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة تستوعب الجميع ومؤسسات خاضعة للقانون، واقتصاد قادر على التعافي وشراكة سياسية تعالج جذور الصراع بدل إعادة إنتاجه.


والسعودية بما تملكه من نفوذ تستطيع أن تكون جزءًا أساسيًا من صناعة السلام لكن أمنها المستدام لن يتحقق بإدارة القوى اليمنية إلى ما لا نهاية وإنما بقيام دولة يمنية مستقرة وقوية وقادرة على حماية حدودها ومصالحها ومنع استخدام أراضيها ضد جيرانها.


وبعد أحد عشر عامًا تغير السؤال من متى نستعيد صنعاء؟ إلى سؤال أكثر أهمية متى يستعيد اليمن قراره ودولته فالانتصار الحقيقي ليس في السيطرة على مدينة وإنما في بناء دولة. وليس في استمرار الحرب، وإنما في إنهائها بسلام عادل ومستدام وليس في انتظار القرار الخارجي وإنما في امتلاك اليمنيين قرار مستقبلهم.


لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الحرب إلى صناعة السلام ومن إدارة النفوذ إلى بناء الدولة ومن انتظار القرار الخارجي إلى استعادة القرار الوطني.


فاليمن ليس مجرد ساحة صراع أو ورقة تفاوضية بل وطن وشعب ومن حق اليمنيين بعد أحد عشر عامًا أن يعرفوا من يقرر مصيرهم؟ ومتى تنتهي الحرب التي بدأت باسم استعادة الدولة بينما لا تزال الدولة نفسها أكبر ضحاياها؟