في الأشهر الأخيرة راقبنا بصمت تحولاً لافتاً في سلوك جماعة الحوثي العسكرية. فبعد سنوات من استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، ورفع شعار "نصرة غزة"، بدأت بوصلة الصواريخ والمسيرات تتجه فجأة نحو الداخل.
البرح، ميناء المخاء، مأرب، الجوف. أهداف أرضية، يمنية خالصة.
فهل هذا تراجع أم إعادة تموضع أم مناورة سياسية يائسة؟
وفي اعتقادي ان التحول العملياتي الحوثي بهدف اضفاء توطين المواجهة.. هروب من وصمة "الوكالة" لعدة أهداف منها
إثبات الاستقلالية أمام الرأي العام الدولي.
لقد أدركت الجماعة أن لعبة "تهديد العالم" لم تعد تجدي بعد تشكيل قوة "فالكون سترايك" متعددة الجنسيات لحماية البحر وكما سبق واشرنا إلى ذلك على صفحة عدن الغد صحافة واعلام
لذلك فإن الحوثي قد قرر أن يقول للعالم "نحن لسنا أداة إيرانية...نحن طرف يمني في صراع يمني-يمني"
تضرب مأرب لتثبت أنها "معركة سلطة".
وتضرب المخاء لتثبت أنها "معركة سيادة على الأرض"
وتوقف ضرب البحر لتسحب المبرر من تحت أقدام التحالف الدولي.
إنها محاولة يائسة لفك الارتباط بين "الحوثي" وبين "التهديد الإقليمي" الذي وضعته الأمم المتحدة والولايات المتحدة في صلب الأزمة كما هو في اعتقادي الشخصي.
كذا فان ذلك التحول يمثل استهداف "ثلاثية اتفاق مكة" قبل أن تكتمل
هذا التحول ليس بريئا إنه رد استباقي مباشر على ما حذرنا منه سابقاً في مقالتنا "ثلاثية اتفاق مكة" السعودية، الحكومة الشرعية، والدعم الدولي الجديد.
والى ذلك نرى شخصيا ان الحوثي يقرأ المشهد جيدا يعلم أن هناك تحالف ردع جديدا يتشكل
فماذا يفعل؟
يضرب في العمق الحكومي في مأرب والجوف ليقول للرياض "هذا هو ثمن التقارب مع الشرعية.. جبهة استنزاف لا تنتهي"
ويضرب البرح والمخاء ليقطع أي شريان إمداد محتمل قبل أن تتعزز قدرات الجيش بدعم دولي.
وغايته من ذلك تكمن في إيصال رسالة مفادها سأحول أي اتفاق سياسي إلى جحيم ميداني
كما أنه قد انتهج خطاب الجنائز.. تعبئة الداخل بعد إفلاس الخارج
بالتوازي مع التصعيد العسكري عاد الى تبني خطاب التشييع المتلفز بقوة... جنائز تُنقل على الهواء، وشعارات "الشهادة" و"المقاومة".
لماذا الآن؟
لأن الجماعة تحتاج إعادة تعبئة بعد تراجع شعبية شعار البحر لذا فهي
تحتاج أن تقول لبيئتها الحاضنة عدنا إلى معركتنا الأساسية.. الدفاع عن الأرض
وتحتاج أن تضغط على قبائل مأرب والجوف برسالة قاسية الدولة عاجزة عن حمايتكم فانضموا إلينا
إنها محاولة لترميم السردية الداخلية بعد أن انكشف زيف سردية نصرة غزة
والى ذلك يمكننا ايجاز قراءتنا التشخصية ان مايفتعله الحوثي هي بمثابة
مناورة وليست استراتيجية
إن ما يفعله الحوثي اليوم ليس تحولا استراتيجيا ..ولكنه مناورة تكتيكية للهروب من الضغط
هرب من البحر لأنه قد خسره تماما
وهرب إلى الداخل لأنه المكان الوحيد الذي يستطيع فيه استخدام تفوقه في البشر والمسيرات الرخيصة بعيداعن التفوق الجوي الأميركي
لكنه بهذا يثبت شيئا واحدا يتمثل في أن السلام المشروط الذي تتحدث عنه الأمم المتحدة هو الخيار الوحيد
لأن الحوثي لا يريد سلاما يريد "هدنة" يستخدمها لإعادة ترتيب أوراقه الداخلية.
واخيرا نرى ان المطلوب رد مزدوج
إزاء هذا التحول حيث لا يكفي الرد العسكري وحده
نحتاج إلى
ردع ميداني وهنا اعن بذلك رد فالكون سترايك لتأمين البحر والجيش الوطني لتأمين البرح ومأرب والجوف.
كذا
حاجتنا الى ردع سياسي وقانوني وإعلامي توثيق هذه المناورة في مجلس الأمن كدليل على أن الجماعة تتهرب من الاستحقاقات الدولية وأنها تستخدم "الهدوء في البحر" كفخ تفاوضي بينما تصعد في البر لفرض أمر واقع جديد.
وعليه نكرر تاكيدنا ان اليمن ليست ملف ملاحة... اليمن دولة
ومن يختزلها في البحر سيجد نفسه غارقا في رمال البر....الخ