بعد سنوات من تولي مجلس القيادة الرئاسي مسؤولية إدارة المناطق الخاضعة لسلطته، لم يعد الشعب ينتظر مزيداً من الخطابات والتصريحات بقدر ما ينتظر إجابات واضحة عن حصيلة هذه السنوات.
ماذا تحقق؟ وأين أخفق المجلس؟ ومن يتحمل مسؤولية التراجع المستمر في الاقتصاد والخدمات ومؤسسات الدولة؟
كان يفترض أن يكون اللقاء الإعلامي الذي عقده رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي قبل أيام فرصة حقيقية لمواجهة هذه الأسئلة، وتقديم كشف حساب صريح أمام الشعب، بعيداً عن التبريرات والرسائل الإعلامية.
لكن اللقاء لم يقدم المصارحة التي كان ينتظرها الشارع، ولم يتحول إلى مراجعة جادة لأداء مجلس القيادة، بقدر ما بدا محاولة لتحسين صورة السلطة أمام الرأي العام، في وقت أصبحت فيه أزمة الثقة أكبر من أن تعالج بخطاب إعلامي.
المشكلة أن الواقع الذي يعيشه المواطن اليوم لا يحتاج إلى شرح.
الناس تعرف حجم الأزمة لأنها تعيشها كل يوم، في ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وتدهور قيمة العملة، وتأخر الرواتب، وضعف مؤسسات الدولة.
لذلك لم يعد المطلوب وصف الأزمة أو تكرار الحديث عن صعوبة المرحلة، وإنما الحديث بوضوح عن مسؤولية السلطة وما الذي قامت به لمعالجة هذه الأوضاع.
وإذا كان الهدف من اللقاء هو مصارحة الشعب، فكان الأجدر أن يكون أكثر انفتاحاً على مختلف وسائل الإعلام، وأن يتيح طرح الأسئلة الصعبة التي تشغل الناس فعلاً.
ماذا عن الفساد؟ أين تذهب الموارد؟ كيف تدار النفقات العامة؟ ماذا تحقق في الخدمات؟ ماذا عن الاقتصاد والرواتب؟ ولماذا ما زالت مراكز القرار متعددة؟ ومتى تستعيد مؤسسات الدولة دورها الحقيقي؟
فاللقاء الإعلامي لا تكون قيمته في أن يتحدث المسؤول فقط، وإنما في أن يستطيع الإعلام أن يسأل، وأن يحصل على إجابات واضحة.
بعد سنوات من إدارة مجلس القيادة، لم يعد السؤال: ماذا سيقول المسؤولون؟ بل: ماذا أنجزوا؟
أين الدولة التي وعدوا بها؟ أين الإصلاح الاقتصادي؟ أين الخدمات؟ أين توحيد مؤسسات الدولة؟ أين مكافحة الفساد؟ أين حماية المال العام؟ وأين الشفافية في الموارد والنفقات؟ وأين المشروع الواضح لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة؟
هذه الملفات هي التي يجب أن تحدد الحكم على أداء المجلس، وليس عدد الاجتماعات واللقاءات والتصريحات.
وما يراه المواطن اليوم لا يحتاج إلى كثير من التفسير.
اقتصاد متراجع، وخدمات متدهورة، وفقر يتزايد، ومؤسسات ضعيفة، وقرار منقسم، ومعاناة مستمرة.
وما يزيد من حجم الأسئلة حول أداء المجلس، أن محافظة مأرب لا تورد إلى الخزينة العامة بصورة موحدة إيرادات النفط والغاز والجمارك، وغيرها من الأوعية الإيرادية السيادية، بما فيها الرسوم والضرائب والإيرادات المحلية ذات الطابع السيادي، بينما تمنع مادة الغاز المنزلي عن المحافظات الجنوبية، في أمر يمس سلطة الدولة وسيادتها.
فأين كان مجلس القيادة، وماذا فعل تجاه هذه الملفات؟ وكيف يمكن الحديث عن تحسن الأوضاع في المحافظات المحررة، بينما رواتب المواطنين مقطوعة لأشهر، والغاز شحيح، والخدمات متدهورة؟ هل هذه هي الأوضاع الأفضل التي يتحدث عنها رئيس المجلس؟
ولا يمكن لمجلس القيادة أن يستمر في تحميل الحرب والظروف والخصوم مسؤولية كل الإخفاقات.
نعم، الحوثيون يتحملون مسؤولية أساسية عن جانب كبير من الكارثة، لكن ذلك لا يعفي مجلس القيادة من مسؤوليته عن إدارة المناطق والمؤسسات والموارد الواقعة تحت سلطته.
فالسلطة تقاس بما تستطيع فعله في المناطق التي تديرها.
هل تحمي مواردها؟ هل تحسن خدماتها؟ هل تبني مؤسساتها؟ هل توحد قرارها؟ وهل تستطيع أن تقدم للمواطن نموذجاً أفضل في إدارة شؤونه؟
إذا كان المجلس قد فشل في تحقيق ذلك، فعليه أن يتحمل مسؤوليته السياسية كاملة، دون أن يجعل من الحرب شماعة دائمة لكل إخفاق.
مجلس القيادة الرئاسي جاء باعتباره فرصة لإعادة ترتيب مؤسسات الشرعية، وتوحيد القرار، وإنهاء حالة التشتت.
لكن السنوات الماضية أظهرت أن المشكلة لم تكن فقط في الظروف المحيطة بالبلاد، وإنما أيضاً في طريقة إدارة السلطة نفسها.
والمطلوب اليوم ليس المزيد من التبريرات، وإنما الاعتراف بأن مجلس القيادة يتحمل مسؤولية هذه المرحلة، باعتباره الجهة التي تصدرت إدارة البلاد خلالها.
فالمسؤولية السياسية لا تقاس فقط بما تم إنجازه، وإنما أيضاً بما عجزت السلطة عن تحقيقه، وبالفرص التي أهدرتها، والقرارات التي اتخذتها أو لم تتخذها في الوقت المناسب.
لقد حصل المجلس على الوقت والصلاحيات والموارد والدعم السياسي والعسكري، ومع ذلك لم ينجح في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، وتقديم نموذج مقنع لإدارة الدولة، أو تحسين حياة المواطنين، أو توحيد القرار، أو بناء مؤسسات قادرة على مواجهة المرحلة.
لهذا، فإن استمرار المجلس لم يعد حلاً للأزمة بقدر ما أصبح جزءاً منها، وأصبحت الحاجة إلى مراجعة سياسية شاملة أمراً لا يمكن تأجيله.
والمطلوب اليوم ليس لقاءً إعلامياً جديداً، ولا خطاباً جديداً، ولا طلباً جديداً للثقة، وإنما قرار سياسي شجاع يضع حداً لمرحلة ثبت فشلها، ويفتح الطريق أمام قيادة جديدة تكون استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب في مقدمة أولوياتها، وتتحمل مسؤولية الإنقاذ، وتعيد بناء مؤسسات الدولة، وتحمي مواردها، وتعيد للمواطن ثقته بأن هناك دولة تعمل من أجله.
فالشعب لم يعد بحاجة إلى مزيد من الخطابات لتفسير واقع يعيشه كل يوم، ولا إلى وعود جديدة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ما يريده هو نتائج ملموسة، ومؤسسات تعمل، وخدمات تصل إليه، ودولة تحمي حقوقه وموارده.
أما استمرار مجلس القيادة بالنهج نفسه، بعد كل ما تراكم من إخفاقات، فلن يكون سوى إطالة لأزمة أثقلت المواطنين وأهدرت المزيد من الوقت والموارد.
ومن هنا، فإن رحيل المجلس وفتح الطريق أمام قيادة جديدة لم يعد مطلباً سياسياً عابراً، بل أصبح مسؤولية وطنية تفرضها حصيلة هذه المرحلة.