منذ عقود، والوطن اليمني بشماله وجنوبه يعاني من معضلة التجاذبات السياسية، التي كثيرًا ما غلبت عليها الأهواء الذاتية والفردية، وتحولت في بعض الحالات إلى ما يشبه الإقطاعيات السياسية، ليس فقط في بعض القوى والمكونات التقليدية، بل حتى في عدد من المكونات والأحزاب حديثة النشأة، التي سعت إلى احتكار التمثيل السياسي والتمدد الجغرافي على رقعة الوطن اليمني الكبير.
لقد تحولت هذه الأنانية السياسية إلى مرض عضال أصاب التوافق الوطني في مقتل، وأضعف قدرة القوى السياسية على الوصول إلى مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الوطن والمواطن فوق المصالح الفردية والحزبية والمناطقية.
ومن هنا، أؤكد أن معظم المشاريع السياسية والتجارب التي طُرحت خلال العقود الماضية قد أخفقت في الوصول إلى معالجة حقيقية ومستدامة للأزمة اليمنية، ولم تتمكن من إنتاج صيغة سياسية تحقق الشراكة الوطنية وتضمن الاستقرار وتمنع إعادة إنتاج الصراعات.
ومع ذلك، لا يزال في الأفق مشروع يمكن البناء عليه، وهو مشروع الدولة الاتحادية اليمنية، الذي جاء في إطار مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وما تضمنته من رؤى وأسس لبناء دولة اتحادية ديمقراطية مدنية، تقوم على الشراكة والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وتمنح الأقاليم والمحافظات صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها.
وللأسف، لا تزال مخرجات الحوار الوطني، بما فيها مشروع الدولة الاتحادية، حبيسة الأدراج، رغم مرور سنوات طويلة على إقرارها، في الوقت الذي تحاول فيه بعض القوى والمكونات السياسية تجاوز هذا المشروع أو القفز على مضامينه، بما يخدم رؤى ومشاريع سياسية خاصة بها.
وفي المقابل، هناك قوى ومكونات جنوبية أعلنت بوضوح تمسكها بخيار الدولة الاتحادية، ومن بينها الائتلاف الوطني الجنوبي الذي تبنى هذا الخيار منذ عام 2018م، وكذلك تيار الدولة الاتحادية الذي أكدت وثائقه ومشروعه السياسي التمسك بالدولة الاتحادية كخيار لمعالجة القضية اليمنية، إضافة إلى التحالف الوطني الجنوبي الذي أُشهرت قيادته مؤخرًا، والذي يطرح ضمن رؤيته السياسية خيار الدولة الاتحادية والشراكة الوطنية.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في كثرة المشاريع السياسية وتعددها بقدر ما يتمثل في قدرة القوى السياسية على التوافق حول مشروع وطني قابل للحياة، يستوعب تطلعات اليمنيين في الشمال والجنوب، ويعالج جذور الصراع، ويضمن العدالة والشراكة والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة فتح ملف مشروع الدولة الاتحادية، ومراجعة مخرجات الحوار الوطني بصورة مسؤولة، بعيدًا عن الإقصاء والمصالح الضيقة، قد تمثل مدخلًا مهمًا للبحث عن تسوية سياسية شاملة ومستدامة، تحفظ وحدة اليمن وتستجيب في الوقت ذاته للتطلعات المشروعة لأبنائه في مختلف المناطق والمكونات.
فاليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المشاريع التي تكرس الانقسام، بقدر حاجته إلى مشروع وطني جامع، تكون فيه الدولة ملكًا لجميع أبنائها، وتكون المواطنة والشراكة والعدالة أساسًا لبناء المستقبل.