نسخة مع التحية لمن بيدهم القرار
ندرك أن هناك فرقًا بين وضع سوريا ووضعنا؛ فنحن قضيتنا في الجنوب هي قضية استعادة الدولة الجنوبية بعد فشل مشروع الوحدة، وقضية الشمال هي السلطة والشرعية.
ولكن الهدف هنا هو الاستفادة من التجربة في كيفية تقديم نموذج إيجابي في النطاق الجغرافي الذي تسيطر عليه أي قيادة، ولو كان في محافظة أو مديرية، وكيفية التعامل بتوازن مع الخارج رغم تناقضاته.
تجربة القيادة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تستحق أن نتوقف أمامها ونقرأها بهدوء، ليس بهدف المقارنة بين سوريا ووضع بلادنا في كل التفاصيل، فلكل بلد ظروفه وتعقيداته، ولكن من المهم أن نستفيد من تجارب الآخرين ونتعلم منها، خاصة من بيدهم القرار.
السؤال هنا: كيف استطاعت القيادة السورية أن تصل إلى هذه المرحلة خلال عام ونصف تقريبًا؟ وهي فترة قصيرة جدًا، في المقابل مضت عشر سنوات على تحرير عدن وبقية محافظات الجنوب والمناطق المحررة بدعم التحالف، والوضع ما زال يتعثر ويتراجع إلى الوراء..؟!
1
كما هو واضح في الواقع، فإن القيادة السورية الحالية لم تبدأ عملها من لحظة سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، وإنما كانت قد بدأت منذ سنوات في إعداد نفسها.
فبعد أن هدأت الحرب في سوريا بعد العام 2019، استغلت القيادة الموجودة في إدلب السنوات التالية لبناء نفسها والعمل على الجانب المؤسسي.
وكانت إدلب تضم نحو أربعة ملايين نسمة، واستطاعت القيادة هناك أن تقيم نموذجًا في الإدارة، وتعمل على توفير الخدمات وبناء بعض المشاريع، وتوفير فرص العمل للشباب وتحسين مستوى المعيشة. وكانت الكهرباء والخدمات في إدلب أفضل من كثير من المناطق الأخرى التي كانت تحت سيطرة النظام.
وهذا الأمر جعل أبناء المناطق القريبة من إدلب، مثل حلب على سبيل المثال، ينظرون إلى التجربة باعتبارها نموذجًا أفضل، ويتطلعون إلى أن تمتد هذه التجربة إلى بقية المناطق.
2
ومن الأمور المهمة أيضًا أن القيادة السورية عملت على توحيد الفصائل والقوى الموجودة في إدلب، وجمعتها في إطار أكثر تنظيمًا.
وبذلك لم يكن العمل العسكري وحده هو الأساس، وإنما كان هناك إعداد وبناء وتجربة عملية على الأرض.
3
وعندما جاءت اللحظة المناسبة للتحرك في بقية المناطق، استطاعت هذه القيادة خلال أيام قليلة، في نهاية عام 2024، أن تسيطر على معظم مناطق سوريا، في ظل انهيار سريع للجيش السوري والنظام، وترتيبات تمت حتى تمكنوا من دخول دمشق خلال أيام.
4
الرواية التي كنا نعرفها أن ما تم من نجاح وسقوط للنظام بشكل سريع كان ناتجًا عن قرار دولي، ولكن في مقابلة للرئيس أحمد الشرع قبل أيام مع قناة الجزيرة، كشف تفاصيل ما حدث ونفى وجود أي دعم دولي.
بل إن تركيا، كما قال، قدمت لهم دعمًا بسيطًا دون حماس كبير لنجاح تحركهم، إذ لم تكن متفاعلة مع احتمالات نجاحهم، بحسب كلام أحمد الشرع، لأن الوضع حينها كان يميل لصالح النظام بعد عودة التطبيع معه من دول كثيرة.
لكن ما حصل كان توفيقًا من الله، واستفادة من المتاح والممكن، إلى جانب تطمينات أرسلتها القيادة الجديدة إلى الخارج ودول الجوار، مفادها أن سقوط النظام لن تكون الفوضى بديلًا عنه، وأن مصالح الجميع ستكون محفوظة.
5
لكن الأهم من ذلك أن القيادة، بعد الوصول إلى السلطة، لم تتعامل مع الأمر باعتباره انتصارًا عسكريًا فقط، وإنما بدأت مرحلة جديدة، وهي مرحلة تثبيت الأوضاع وبناء مؤسسات الدولة والتعامل مع الداخل والخارج.
واستطاعت القيادة السورية الجديدة أن تتعامل مع الدول من حولها بسياسة متوازنة؛ حافظت على علاقتها بتركيا، وفتحت علاقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، كما عملت على إعادة العلاقات مع روسيا وفتح علاقات مع أوروبا والولايات المتحدة.
وعملت كذلك على تجاوز العقوبات والتصنيفات السابقة التي كانت عائقًا أمامها، وكانت تضع الشرع في تصنيف رجل إرهابي، وذلك بدعم ودور كبيرين من السعودية وتركيا، كما اعترف بذلك أحمد الشرع.
وهذا أمر ليس سهلًا، خاصة أن دولًا عربية وإقليمية كانت قد أعادت علاقاتها مع النظام السابق، وكانت الأمور في ذلك الوقت لا تبدو في صالح القيادة الجديدة.
6
قد تكون هناك أخطاء في التجربة السورية، وقد يختلف الناس حول بعض خطوات القيادة الجديدة، وهذا أمر طبيعي، فمن الطبيعي أن تظهر أخطاء في ظل انتقال سياسي جديد تجاوز نصف قرن من سيطرة حزب البعث الاشتراكي.
7
وإذا نظرنا إلى الصورة بشكل عام، نجد أن هناك ارتياحًا عربيًا وإقليميًا ودوليًا لما تم إنجازه حتى الآن، وإذا استمرت القيادة السورية بهذا النهج، فمن الممكن أن تشهد سوريا خلال السنوات القادمة مزيدًا من الاستقرار والبناء والتنمية.
8
وهنا نأتي إلى الجنوب واليمن بشكل عام.
كانت الشرعية اليمنية تحظى، منذ انطلاق عاصفة الحزم، بتأييد ودعم دولي وإقليمي كبير، كما كان هناك التفاف من دول التحالف العربي حولها، وكان من الممكن أن تستفيد الشرعية من ذلك الدعم وتقدم نموذجًا جيدًا في المناطق المحررة.
لكن، للأسف، لم تستطع المناطق المحررة أن تقدم النموذج الذي كان الناس ينتظرونه.
9
وبالنسبة للجنوب، وبعد تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، أصبح للمجلس حضور واسع في محافظات الجنوب، وأصبحت لديه قوات عسكرية واعتراف إقليمي ودولي، قبل أن ينهار ذلك في يناير المنصرم.
وكان من الممكن أن يتحول هذا التميز إلى فرصة لبناء نموذج جنوبي جيد في الإدارة والعمل المؤسسي والتنمية، وفق المتاح والممكن.
كما كان أغلب أبناء الجنوب ينظرون إلى تقدم القوات الجنوبية في ديسمبر الماضي باعتباره خطوة يمكن أن تقود إلى مرحلة أفضل من المكاسب والحفاظ على ما هو باليد، لكن للأسف حصل العكس.
ولا نريد هنا تشخيص أسباب ما حصل من انتكاسة، ولكن كان بإمكان القيادة الجنوبية أن تحافظ على توازن في علاقاتها، بما لا يؤدي إلى أي تفكك أو انهيار أو مواجهة ليست في صالح الجنوب.
لكن الذي حصل أن الأمور أخذت اتجاهًا آخر، وتراجعت كثير من الآمال التي كانت موجودة. ولولا جهود عدد من القيادات العسكرية الجنوبية في الحفاظ على ما تبقى من القوات والمؤسسات والاستقرار، لكانت الأمور أصعب وأكثر انهيارًا.
10
وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة يمكن أن نستفيد منها من التجربة السورية:
القوة العسكرية وحدها لا تكفي للحفاظ على ما هو تحت اليد، لأن موازين القوة قد تتغير لصالح الخصوم.
لكن القيادة السياسية أو العسكرية تحتاج إلى أن تقدم نموذجًا جيدًا للناس، وتعزز الاصطفاف الداخلي، وتتحلى بالذكاء السياسي، وتتبنى خطابًا جامعًا للجميع.
فالناس تنظر إلى ما يتحقق على الأرض وكيف تحافظ عليه؛ لأن تحقيق النصر قد يتم، ولكن الأهم هو: كيف تضمن الحفاظ عليه؟
وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نستفيد منه من تجربة إدلب السورية.
11
التجربة السورية في إدلب لم تكن تمتلك إمكانيات دول، بل استفادت من المتاح، ومع ذلك استطاعت القيادة هناك أن تقدم نموذجًا إيجابيًا لأربعة ملايين مواطن.
12
وأخيرًا..
هنا نقطة مهمة:
البناء الداخلي أهم من أي شيء آخر، والخارج عامل مساعد للداخل إذا أرادت أي قيادة النجاح.
وانظروا ماذا قال الرئيس أحمد الشرع عن العلاقة مع الخارج وأهمية وحدة الصف الداخلي، وكيف أن تماسك الداخل هو ما يجعل الخارج يحترمك، وذلك قبل وصوله إلى دمشق.
ونكتفي بهذا القدر.
وطابت ليلتكم وأيامكم بالخير والمحبة.
العميد علي بن شنظور أبو خالد
16 أغسطس 2026