آخر تحديث :السبت-15 أغسطس 2026-03:48ص

اليمن.. كي لا نعود الى الوراء

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 11:34 م
نجيب الكمالي


كلما رجعت الى تاريخ اليمن، اشعر انني لا افتح كتابا عن زمن مضى، بل افتح جزءا من حياتنا. اتذكر جدي وابي، واتذكر حكاياتهما عن الايام التي دحرت فيها الامامة، وعن رحيل الاستعمار البريطاني، واعلان الجمهورية في جنوب وشمال الوطن، وكيف كان الناس ينظرون الى تلك الايام وكأنها بداية عهد جديد. ثم اتذكر فرحة اعلان الوحدة، والامال الكبيرة التي حملها اليمنيون معها.

لكن الحكاية لم تسر كما تمنينا.

جاءت الازمات بعد الوحدة، ثم الحروب، ثم الانقسامات. وكلما ظننا اننا ابتعدنا عن الماضي، وجدنا انفسنا نعود اليه بطريقة اخرى. كأن التاريخ اليمني يمشي بنا الى الامام قليلا، ثم يعيدنا خطوات الى الوراء. وفي لحظة ما، شعرت ان القبلية انتصرت على فكرة الدولة، وان مشروع اليمن الجديد الذي حلمنا به بدأ يتراجع امام الولاءات القديمة، حتى وجدنا انفسنا من جديد نبحث عن الدولة التي كنا نظن اننا تجاوزنا الحاجة الى البحث عنها.

حتى بتنا نرى الامامة بطراز جديد، تسيطر على الشمال باسمها جماعة انقلابية ذات مشروع كهنوتي، اعادت البلاد الى ما قبل الجمهورية. ونسمع من يتحدث عنها من جديد، واجد ملامحها حاضرة في تفاصيل كثيرة، في الكتاب المدرسي الذي تغير، وفي ما يقال للطلاب، وفي الطريقة التي تعاد بها صياغة الوعي من جديد، وكأننا امام زمن ظننا اننا تجاوزناه، فاذا به يعود الينا بثوب اخر. واليوم اصبحت الجمهورية نفسها بحاجة الى من يدافع عنها من جديد.

وهنا اسأل نفسي: كيف وصلنا الى هذه النقطة؟

لقد تغيرت الاسماء، وتغيرت الشعارات، لكن الانسان اليمني بقي يبحث عن الدولة نفسها، الدولة التي تحميه، وتمنحه الامان، وتجعله يشعر ان مستقبله ليس رهينة لصراع جديد.

اتذكر ما حكاه لي ابي، واشعر ان المسافة بين تلك الحكايات وما نعيشه اليوم ليست بعيدة كما كنت اعتقد.

ربما لاننا لم نتعلم من التاريخ كما ينبغي.

نحن ننتقل من مرحلة الى اخرى، لكننا كثيرا ما نحمل اخطاء المرحلة السابقة معنا.

ولهذا فان استعادة الدولة اليوم لا ينبغي ان تكون مجرد استعادة العاصمة صنعاء، او استعادة مؤسسات ومدن. السؤال الاهم بالنسبة لي هو: اي دولة سنستعيد؟

هل نستعيد دولة يكون فيها القانون اقوى من الاشخاص، واقوى من الطائفية والمذهبية والمناطقية والاحزاب، واقوى من تأثير الخارج؟ دولة تكون فيها المؤسسة اقوى من الجماعة، والمواطنة اقوى من كل الانتماءات الضيقة؟

ام نستعيد الدولة ثم نعيد انتاج الاسباب التي اضعفتها؟

انا لا اريد ان ننتصر في الحرب ثم نعود الى الدائرة نفسها.

اريد ان يكون لهذا الوجع معنى.

ان تكون الجمهورية التي دافع عنها جدي وابي، والاستقلال الذي ناضل من اجله ابناء الجنوب، قد وصلا اخيرا الى دولة يشعر فيها اليمني ان حريته وكرامته وامانه ليست شعارات، وان الدولة ليست مجرد سلطة، بل بيتا يتسع للجميع.

ربما هذا هو الامتحان الحقيقي الذي ينتظرنا.

ليس فقط ان نستعيد الدولة، بل ان نعرف كيف نحميها.

ان يكون القانون اقوى من الاشخاص، والمؤسسة اقوى من الجماعة، والوطن اقوى من الطائفة والمذهب والمنطقة والحزب، والقرار الوطني اقوى من تأثير الخارج.

وعندما ياتي اليوم الذي يعود فيه اليمني الى بيته مطمئنا، ولا يخاف من اخيه، ويعرف ان خلافه مع الاخر لن يتحول الى حرب، ساشعر ان الحكاية التي بدأها جدي، وروى لي ابي فصولها، لم تنته عبثا.

ساشعر ان الجمهورية التي حلموا بها لم تضيع، وان كل ما مررنا به يمكن ان يتحول اخيرا الى درس.

عندها فقط يمكن ان نقول اننا لم نعد الى الماضي.

بل خرجنا منه.