آخر تحديث :السبت-15 أغسطس 2026-06:14ص

وزارة التربية والتعليم.. عندما تناقض الرسوم معايير التصنيف وكلفة البقاء

الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 09:49 م
نجيب الكمالي


في زيارة عابرة لمدرسة أهلية برفقة صديق لتسجيل ابنه، لم تكن نيتي البحث عن مادة صحفية، لكن ما إن جلسنا في مكتب المدير حتى وجدت نفسي أمام مشهد مختلف؛ لجنة من التربية والتعليم تناقش ملف الرسوم الدراسية. جلست لأستمع، وأثار انتباهي أمران: الأول أن الرسوم كانت قد حُددت وفق معايير التصنيف التي وضعتها واعتمدتها التربية والتعليم نفسها، والثاني أن اللجنة كانت تناقش بعد ذلك تخفيض تلك الرسوم بنسبة 20 في المائة، وكأن القرار الجديد منفصل عن المعايير التي جرى اعتماد الرسوم على أساسها.

وفي حديث المدير عن كلفة التشغيل، ظهرت صورة أخرى لا تقل أهمية. إيجار ورواتب وصيانة، وقبل ذلك الكهرباء التي أصبحت في عدن عبئاً إضافياً يدفع المدارس إلى الاستثمار في الطاقة البديلة. كشف أن منظومة الطاقة الشمسية وحدها كلفت المدرسة نحو 60 ألف دولار، وأن الحسابات الختامية للعام الماضي سجلت عجزاً بنحو 40 ألف دولار، مشيراً إلى أن قرار التخفيض السابق بنسبة 30 في المائة كبّد المدرسة خسائر بملايين الريالات وزاد من حجم العجز.

وهنا وجدت نفسي أمام السؤال الأهم: إذا كانت وزارة التربية والتعليم قد وضعت معايير للتصنيف، ثم حددت الرسوم على أساس مستوى المدرسة وتجهيزاتها وكادرها والخدمات التي تقدمها، فما الذي استجد حتى تأتي بعد ذلك بقرار ارتجالي لتخفيض الرسوم بنسبة 20 في المائة؟ وإذا كانت الرسوم التي حُددت وفق تلك المعايير مرتفعة فعلاً، فلماذا لم تتم مراجعة آلية التصنيف واحتساب الرسوم من البداية؟ وإذا كانت المعايير صحيحة، فكيف يمكن تخفيض الموارد مع إبقاء المدرسة مطالبة بالالتزامات والخدمات نفسها؟

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل هذا القرار خاص بعدن وحدها، أم أنه قرار صادر عن وزارة التربية والتعليم ولم يشمل بقية المحافظات المحررة؟ فإذا كان قراراً وزارياً، فلماذا لا يطبق على الجميع؟ وإذا كان القرار مطبقاً في عدن فقط، فما المبرر الذي يجعل مدارس عدن ا يخضعون لسياسة مختلفة عن مدارس المحافظات المحررة الأخرى؟ وإذا كان القرار صدر لمساعدة أولياء الأمور فهل ظروف الأسر في عدن أقل من مستوي المحافظات الأخرى من ظروف الأسر في المحافظات الأخرى أم أن مستوى دخلها وقدرتها على تحمل تكاليف التعليم أقل؟

المشكلة هنا ليست في التخفيض من حيث المبدأ، ولا في حماية ولي الأمر من أي استغلال، وإنما في التناقض بين قرارين يفترض أن يصدر أحدهما من الآخر وفي إطار منظومة واحدة. فالمدرسة التي استثمرت أموالها بناء على تصنيف رسمي ومتطلبات محددة لا يمكن مطالبتها فجأة بالعمل بموارد أقل، بينما تظل مطالبة بالمستوى نفسه من التعليم والتجهيز والخدمات.

وعندما تحدث المدير عن مختبرات الـSTEM والحاسوب والحسابات الذهنية وتنمية مهارات التفكير والإبداع، أدركت أن المسألة تتجاوز الجدران والأسقف. كل هذه البرامج تحتاج إلى تمويل مستمر، من شراء الأجهزة والتجهيزات إلى التدريب والصيانة والتحديث. والمعلم الجيد له كلفة، والتكنولوجيا لها كلفة، والطاقة البديلة لها كلفة، وكل ذلك يحتاج إلى ميزانية تشغيلية لا تتوقف.

وهنا برز سؤال آخر: إذا كانت المدرسة تنفق أموالاً كبيرة فقط لكي تبقى مفتوحة وتغطي كلفة تشغيلها، فكيف ستجد فائضاً لتطوير التعليم؟ وكيف ستدخل الحاسوب والذكاء الاصطناعي والبرامج الحديثة إلى العملية التعليمية، بينما الكهرباء وحدها أصبحت تستنزف عشرات الآلاف من الدولارات؟

أنا مع رقابة التربية، ومع التزام المدارس بالأسعار المحددة، ومع حماية ولي الأمر من أي استغلال، لكن الرقابة يجب ألا تتوقف عند الرقم. يجب أن تمتد إلى جوهر العملية التعليمية. من يراقب جودة التعليم فعلياً؟ من يسأل عن مستوى المعلمين؟ من ينظر إلى ما يحصل عليه الطالب مقابل ما يدفعه أهله؟

فالأسرة لا تدفع ثمناً لمقعد داخل فصل، وإنما تدفع من أجل تعليم ومستقبل. ومن هنا تأتي أهمية التصنيف بوصفه أداة لتحسين التعليم وليس مجرد وسيلة لتحديد السعر. فإذا كانت مدرسة لا تستحق تصنيفها، فلتراجع الجهة المختصة تصنيفها. وإذا كانت تفرض رسوماً لا تتناسب مع مستواها، فلتراجع الرسوم. أما أن يبقى التصنيف والالتزامات كما هي، بينما تُخفض الموارد بقرار لاحق، فذلك لا يعالج المشكلة بقدر ما ينقلها إلى داخل المدرسة.

الاستثمار في التعليم يحتاج إلى قدر من الاستقرار. لا يمكن أن يُطلب من المستثمر أن يبني ويجهز ويستثمر في المختبرات والتكنولوجيا والطاقة والكوادر، ثم يقال له بعد إنفاق أمواله إن القواعد تغيرت. النتيجة الطبيعية قد تكون التردد في الاستثمار، أو تقليص النفقات، أو البحث عن طرق لتقليل الكلفة، وما يعنيه ذلك في النهاية هو تقليص الإنفاق على المعلمين والأنشطة والمختبرات والتجهيزات، وبالتالي تراجع مستوى التعليم.

وهنا تظهر المفارقة: نحمي ولي الأمر من ارتفاع الرسوم، لكن إذا أدى التخفيض غير المدروس إلى تراجع مستوى التعليم، فهل نكون قد حققنا الحماية فعلاً؟ أم أننا نقلنا المشكلة من جيب الأب إلى مستقبل الابن؟

في عدن لا يمكن تجاهل الظروف الاقتصادية. المدارس تواجه كلفة تشغيل ضخمة، والمعلمون يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة، والطالب ينتظر الكهرباء في الفصل وفي البيت. وإذا تذكرنا إضرابات المدارس الحكومية التي استمرت عامين، ندرك أن المشكلة أوسع من رسوم مدرسة أهلية.

لدينا مدرسة أهلية تحاول البقاء، ومدرسة حكومية تتعطل بسبب الإضرابات، وطالب يقف في المنتصف. ولذلك يجب أن يكون السؤال أكبر من قيمة الرسوم. هل يتعلم الطالب التفكير أم يظل حبيس الحفظ والتلقين؟ هل يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا؟ هل تنمو لديه مهارات الإبداع؟ وهل نحن نعده لعالم يتغير بسرعة ويدخل فيه الذكاء الاصطناعي كل المجالات، أم ما زلنا عاجزين عن توفير أبسط مقومات العملية التعليمية؟

لا نطالب بإلغاء الرقابة، ولا بتثبيت الأسعار دون مراجعة، وإنما نطالب بمنظومة واضحة ومتوازنة: نراقب الرسوم ونراقب معها جودة التعليم، نساعد المدارس على الاستمرار ونطالبها بالتطوير، ويكون التصنيف أداة لتحسين الأداء وليس مجرد بطاقة سعرية، وتعرف الأسرة ماذا تدفع وماذا يحصل ابنها في المقابل.

فالرقم يمكن تخفيضه بقرار، لكن مستوى التعليم إذا انخفض فلن يكون من السهل تعويضه. والطالب لا يستطيع الانتظار حتى تنتهي خلافاتنا حول الرسوم والتصنيف والكلفة. سنواته تمضي، وإذا ضاعت فلن تعود.

والسؤال في النهاية ليس فقط: كم سيدفع ولي الأمر؟ بل الأهم: ماذا سيحصل ابنه مقابل ما يدفعه؟

وهنا يبدأ النقاش الحقيقي، لأن التعليم الذي ينشغل فقط بكلفة البقاء قد يجد نفسه عاجزاً عن صناعة المستقبل.