المفكر الثوري حسين محمد الجابري واحد من أبرز الشخصيات الفكرية والوطنية التي أنجبتها دثينة في القرن العشرين، ومن الرعيل الذي أسهم في نقل الوعي السياسي من دائرة النخبة إلى أوساط الطلاب والمدرسين والفلاحين والشخصيات الاجتماعية.
وُلد حسين الجابري عام 1940م في مدينة مودية – دثينة، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والمعرفة؛ فوالده القاضي محمد الجابري كان من أهل التعليم والكتاتيب.
تلقى تعليمه الابتدائي في مودية، والمتوسط في زنجبار، ثم التحق بكلية عدن بين عامي 1957 و1961م، وتخرج فيها بدرجة امتياز. وهناك، في سنوات شبابه المبكرة، بدأ اتصاله بحركة القوميين العرب، متأثراً بأفكار التحرر والوحدة العربية وبالتجربة الناصرية.
وعندما عاد إلى مودية مدرساً عام 1961م أسس أول مدرسة للمناضلين والثوار التابعة لحركة القوميين العرب في دثينة، ونظم نشاطها في حلقات وخلايا شملت قطاعات متعددة من المجتمع، وهو ما أكده الرئيس علي ناصر محمد في شهادته عن تلك المرحلة.
وكان الجابري، مناضلاً بالفكر والكلمة؛ يتحرك بين عدن ودثينة، ويناقش الشباب والطلاب والمدرسين، ويدعو إلى مقاومة الاستعمار البريطاني بمختلف وسائل النضال، وإلى تحرير الجنوب وإقامة دولة وطنية، مع ارتباط القضية الجنوبية بقضايا التحرر العربي وفي مقدمتها قضية فلسطين. وفي شهادته يعترف الرئيس السابق علي ناصر محمد بأن له الفضل في إدخاله وتنظيمه ضمن صفوف حركة القوميين العرب عام 1961م.
وفي عام 1963م اعتُقل حسين الجابري مع عدد من رفاقه على خلفية النشاط السياسي والمظاهرات المناهضة لسلطات الاحتلال البريطاني في مودية، ثم واصل نشاطه الوطني في مرحلة الكفاح المسلح، وظل اسمه مرتبطاً بحركة القوميين العرب والجبهة القومية وثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر.
وبعد الاستقلال، شارك في بناء الدولة الجديدة وتولى مسؤوليات إدارية، وظل، بحسب شهادة معاصريه، وفياً للأفكار التي ناضل من أجلها، وداعياً إلى الحوار وحل الخلافات على طاولة الإخوة، وفي عام 1972م كان يشغل منصب المدير العام للأسماك، ثم تعرض للاعتقال بعد ذلك بوقت قصير، وقضى ثماني سنوات في السجن على خلفية موقفه المعارض للسلطة آنذاك.
والقيمة الحقيقة للمفكر الجابري كانت في دوره في صناعة الوعي؛ فقد كان صاحب فكرة ورسالة، يرى أن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير عقله، وأن الثورة لا تصنعها البنادق وحدها، وإنما تصنعها قبل ذلك الأفكار التي تمنح الناس معنى التضحية وغاية النضال.
وقد وصفه علي ناصر محمد بأنه عاش مناضلاً شريفاً ، وأنه ناضل بالفكر والكلمة، وتحمل السجون والصراعات، وظل وفياً للمبادئ التي ناضل من أجلها. كما وصفه زميله الراحل عبد الله عنبر في شهادته المنشورة في الأيام بالشجاعة والتواضع ودماثة الأخلاق، وأكدت أنه عاش بعيداً عن اللهاث وراء السلطة والجاه والمال.
توفي حسين محمد الجابري في ديسمبر 2008م عن عمر ناهز 75 عاماً، بعد حياة امتدت من التعليم إلى الفكر، ومن العمل السري إلى الثورة، ومن السجن إلى مسؤوليات الدولة؛ حياةٍ بقي فيها الإنسان والمبدأ فوق المنصب والمصلحة.
رحم الله حسين الجابري؛ ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد مناضل في تاريخ دثينة، بل كان أحد الذين حاولوا أن يجعلوا من الفكر مقدمةً للثورة، ومن الثورة طريقاً إلى وطن حر.
مات حسين الجابري مهمشا مظلوما بعيداً عن الأضواء كغيره من صناع ثورة ١٤ من أكتوبر الذين لم تطالهم التصفيات الجسدية وإن كانت قد طالته يد التصفيات النفسية..
