آخر تحديث :الإثنين-24 أغسطس 2026-09:49م

أواخر 2026: مخاض الصراع اليمني ورسائل الصمود على تخوم مأرب والساحل

الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 07:25 ص
منصور بلعيدي


تتجه الأزمة اليمنية بثبات نحو لحظة فارقة تتكثف فيها كافة الرهانات السياسية والعسكرية مع اقتراب الأشهر الأخيرة من عام 2026؛ إذ يتكشف من جديد وبشكل لا يدعو للشك أسلوب جماعة الحوثي في قراءة المشهد الميداني واستغلال حالة اللا-سلم واللا-حرب لتنفيذ هدف استراتيجي مؤجل: استكمال السيطرة الجغرافية الكاملة على ما كان يُعرف بالجمهورية العربية اليمنية سابقاً، وتحديداً من خلال الضغط المكثف بالصواريخ والمسيرات على المديريات المتبقية تحت سيطرة الشرعية في مأرب، وتعز، والساحل الغربي.

إن القراءة الدقيقة للمستجدات الراهنة تكشف أن الاستراتيجية الحوثية تعتمد مرحلية صريحة، تقوم على تفكيك الجبهات وتأجيل الصدامات المقيدة بحسابات معقدة.

أولاً: خريطة الأولويات الحوثية والمعركة المؤجلة

* معركة الحسم في الشمال:

يرى الحوثيون أن انتزاع ما تبقى من أراضي الشمال (مأرب، والساحل الغربي، وتعز) شرط أساسي ومسبق لإعلان شرعيتهم كأمر واقع ومطلق فوق هذه الجغرافيا. ولهذا الغرض، تعتمد الجماعة على التكتيك المزدوج: تهجير السكان واستهداف البنية التحتية والمرافق المدنية والعسكرية لتفريغ هذه المناطق وإضعاف قدرتها الاستيعابية والقتالية.

* استراتيجية الجنوب "المؤجل":

يمثل الجنوب بالنسبة للجماعة خياراً عسكرياً مؤجلاً مرحلياً لا إلغاءً، على الرغم من رصد كافة الأهداف الحيوية الجنوبية بدقة عالية.

ويعود قرار التأجيل إلى إدراك قيادة الجماعة لحجم المغامرة العسكرية هناك؛ حيث تفتقر الجماعة في الجنوب لأي حاضر شعبية، فضلاً عن الاصطدام بالفوارق المذهبية والاستعداد العسكري العالي—وهي العوامل الذاتية والموضوعية ذاتها التي شكّلت نواة هزيمتهم وانكسارهم في حرب 2015 وتظل حائط صد صلب حتى اليوم.

ثانياً: سيناريوهات الأشهر الأخيرة من عام 2026

أمام هذا الواقع، يتوزع مشهد الأشهر الأخيرة من عام 2026 بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحدد هوية الصامد ومن يخرج نهائياً من دائرة التأثير الميداني والسياسي:

1. سيناريو صمود الشرعية وإجهاض المخطط (السيناريو الأرجح وطنياً)

يقوم هذا السيناريو على إدراك القيادة الشرعية والقوى الميدانية لخطورة اللحظة؛ فتتضافر الجهود لتعزيز الصمود في مأرب والساحل وتعز بأي ثمن كان. تحوّل المناطق الاستراتيجية إلى قلعة عصية يكسر اندفاعة الجماعة، ويجبر التحالف الداعم والإقليم على إعادة رسم حدود الدعم والمواجهة. خروج الجماعة من هذه الجولة دون تحقيق خرق جيو-سياسي يضعف موقفها الداخلي والتفاوضي ويضع حدّاً لطموحاتها التوسعية.

2. سيناريو الاختراق وسقوط المعاقل (سيناريو شهادة الوفاة)

في حال التراخي أو التفكك السياسي والميداني للشرعية، فإن نجاح الحوثي في إسقاط مأرب أو الساحل الغربي لن يعيد تشكيل الخريطة فحسب، بل سينتج عنه كتابة "شهادة الوفاة الرسمية" للشرعية ككيان سياسي وميداني جامع. هذا السيناريو ينقل الثقل العسكري مباشرة نحو الجنوب، مما يُعجّل بصدام شامل ومباشر تتسع رقعته لتشمل الإقليم بأكمله.

3. سيناريو الاستنزاف الدائم والتسوية الإقليمية المفروضة

يدور هذا السيناريو حول استمرار الهجمات بالصواريخ والمسيرات دون حسم ميداني لأي طرف، بالتوازي مع تغيرات في معادلات الأطراف الإقليمية والدولية (السعودية، وإيران، والدول الفاعلة). هذا الجمود قد يدفع باتجاه صياغة تسوية سياسية قائمة على الأمر الواقع وتوازنات الردع القائمة دون خروج نهائي لأي طرف، لكنه يبقي جذوة الصراع متقدة تحت الرماد.

خاتمة: معادلة البقاء

إن الأشهر الأخيرة من عام 2026 تمثل مرحلة تصفية للحسابات الفاصلة بين كافة الأطراف الفاعلة من الحوثي والشرعية وقيادات الجنوب إلى إيران والسعودية. لم تعد المواربة السياسية خياراً ممكناً؛ فالصمود الميداني في مأرب والساحل وتعز ليس مجرد الدفاع عن جغرافيا محددة، بل هو الشرط الأخير والوحيد لبقاء الشرعية والجنوب وحلفائهما في صدارة معادلة القوة والمستقبل.