آخر تحديث :الأربعاء-12 أغسطس 2026-02:27م

الرمق الأخير للتعليم في بلادي . مناشدة عاجلة لتوظيف المتعاقدين في سلك التربية والتعليم

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 11:56 ص
حسين سالم السليماني



هناك خطر يهدد قطاع التربية والتعليم منذ العام الماضي، خطر لم يعد يحتمل التأجيل أو الصمت أو انتظار المزيد من الوقت. ومع ذلك، لم تُقدم حتى اليوم حلولٌ جادة وحاسمة لمعالجة هذا الخطر الذي يطال التعليم على مستوى الجمهورية.


إنهم المتعاقدون في سلك التربية والتعليم؛ أولئك الذين حملوا رسالة التعليم لسنوات، ووقفوا في الفصول، وواجهوا الطلاب، وشرحوا الدروس، وصححوا الدفاتر، وأدوا واجبهم التربوي والتعليمي في ظروف بالغة الصعوبة، مقابل أجور زهيدة لا تكاد تسد رمقاً، ولا توفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.


لقد جاءت السنوات عليهم ثقيلة، لكنهم ظلوا في مواقعهم.


لم يتخلوا عن مدارسهم، ولم يتركوا طلابهم، ولم يقولوا: لا شأن لنا بما يحدث.


كانوا هناك كل صباح، يحملون الطباشير والكتب، ويقفون أمام أبنائنا، ويؤدون رسالتهم بصمت، بينما كانت حقوقهم الوظيفية معلقة بين الوعود والانتظار.


واليوم، وبعد سنوات طويلة من الخدمة، نجد أنفسنا أمام سؤال مؤلم:


أين تذهب كل هذه السنوات من الخبرة؟ وأين تذهب جهود أولئك الذين حافظوا على استمرار العملية التعليمية في مدارسنا؟


لقد اعتمدت بعض المنظمات الدولية، ومنها اليونيسيف وغيرها، على كوادر ومتعاقدين عملوا لسنوات في الميدان التعليمي، ومنهم من استمر في أداء مهمته لسنوات طويلة. لكن حين توقفت بعض برامج الدعم أو انتهت عقودها، وجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع قاس: لا وظيفة، ولا استقرار، ولا مستقبل واضح.


وهنا تبرز مسؤولية الدولة ووزارة التربية والتعليم والحكومة، لا باعتبارها جهات إدارية فحسب، بل باعتبارها الجهات المعنية بحماية التعليم والحفاظ على كوادره واستمرار مؤسساته.


فهل يُعقل أن يُترك معلم خدم في المدرسة سنوات طويلة لمجرد أن العقد انتهى؟


وهل من المنطق أن تُهدر سنوات الخبرة التي اكتسبها داخل الميدان، ثم نبحث عن بديل جديد، بينما المدارس نفسها تعاني نقصاً في المعلمين؟


التعليم لا ينهار دفعة واحدة


إن مأساة التعليم في بلادنا ليست فقط نقص كتاب أو مقعدٍ أو سبورة، وليست المشكلة دائماً في ازدحام الفصول أو تهالك المباني.


هناك مأساة أعمق من ذلك كله: غياب التخطيط، وتأخر المعالجة، وإهمال الكادر الذي يحمل على عاتقه صناعة الأجيال.


فالمبنى يمكن ترميمه، والسبورة يمكن استبدالها، والكتاب يمكن طباعته، والمقعد يمكن توفيره؛ لكن المعلم الذي يمتلك الخبرة، ويعرف طلابه ومدرسته وميدانه، لا يمكن تعويض سنوات خبرته بقرار إداري عابر.


لقد ظل كثير من المتعاقدين سنوات طويلة في الميدان، وبعضهم تجاوزت خدمته تسع سنوات، دون أن يجد طريقاً واضحاً نحو التثبيت أو التوظيف.


تسع سنوات!


تسع سنوات من الوقوف أمام الطلاب، والحضور إلى المدارس، وتحمل المسؤولية، ومواجهة الظروف الصعبة.


ثم بعد كل ذلك، يُقال له ببساطة: انتهى العقد!


لكن هل تنتهي الخبرة بانتهاء العقد؟


وهل تنتهي الرسالة بانتهاء الورقة؟


وهل تُمحى سنوات الخدمة بتوقيع إداري؟


إذا كان التعليم بحاجة إلى معلمين... فلماذا نترك المعلم الموجود؟


هذه هي المفارقة التي تستحق أن تتوقف أمامها الجهات المسؤولة طويلاً.


إذا كانت المدارس بحاجة إلى معلمين، فلماذا نبحث عن معلمٍ جديد ونترك المعلم الذي قضى سنوات في الميدان، ويمتلك المؤهل والخبرة، ويعرف طبيعة المدرسة والطلاب؟


وإذا كانت وزارة التربية والتعليم بحاجة إلى كوادر جديدة، فلماذا لا تكون الأولوية لمن أثبتوا وجودهم بالفعل، وعملوا لسنوات، واكتسبوا خبرة عملية داخل الفصول الدراسية؟


إن معالجة ملف المتعاقدين لا تعني إغلاق الباب أمام الخريجين الجدد، ولا تعني إلغاء حق الكفاءات الجديدة في الحصول على فرص العمل، وإنما تعني وضع معايير عادلة وشفافة تراعي الخبرة، والمؤهل، والحاجة الفعلية للمدارس، وسنوات الخدمة.


نحن بحاجة إلى سياسة توظيف عادلة، لا إلى حلول مؤقتة.


وبحاجة إلى رؤية واضحة، لا إلى تأجيل جديد.


وبحاجة إلى قرار ينصف المعلم ويحمي المدرسة ويضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار.


مدارس بلا معلمين... ومعلمون بلا وظائف


لقد خسرت المؤسسة التعليمية خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من كوادرها بسبب التقاعد، كما غادر آخرون المهنة لأسباب مختلفة، بينما لم تُنفذ عملية إحلال منتظمة ترفد المدارس بالكوادر الجديدة وتحافظ على التوازن الطبيعي في العملية التعليمية.


وهكذا اتسعت الفجوة شيئاً فشيئاً:


معلمون يتقاعدون، وآخرون يغادرون، وفصول تحتاج إلى من يقف أمامها، ومدارس تبحث عن كوادر، ومتعاقدون موجودون أصلاً في الميدان، لكنهم ما زالوا عالقين في دائرة الانتظار.


إنها معادلة يصعب فهمها:


المدرسة تحتاج إلى المعلم، والمعلم موجود، والطلاب ينتظرون، والملفات موجودة، والخبرة موجودة... فلماذا يبقى الحل غائباً؟


لماذا لا تتحول هذه الخبرات المتراكمة إلى قوة حقيقية لإنقاذ التعليم؟


ولماذا لا يُنظر إلى المتعاقدين باعتبارهم جزءاً من الحل بدل أن يُنظر إليهم باعتبارهم ملفاً مؤجلاً؟


المعلم ليس رقماً في كشف


إن قضية المتعاقدين ليست مجرد أسماء تُضاف إلى كشوفات، ولا أرقام تُدرج في ملفات، ولا قرارات تُرحّل من عام إلى آخر.


إنها قضية أسر تعيش على الأمل، ومعلمين ينتظرون الاستقرار، وأبناء يحتاجون إلى حياة أفضل، ومدارس تحتاج إلى كوادر، ووطن لا يستطيع أن يبني مستقبله من دون تعليم مستقر.


حين يعيش المعلم سنوات طويلة في حالة من عدم الاستقرار، فإن الضرر لا يتوقف عند راتبه أو وظيفته.


إنه يمتد إلى أسرته، وإلى أدائه، وإلى المؤسسة التعليمية، وإلى الطالب، وإلى المجتمع بأسره.


فالمعلم الذي لا يعرف ماذا سيكون مصيره غداً، كيف يمكن أن نطالبه بأن يبني بثقة مستقبل جيل كامل؟


آن أوان القرار


إن معالجة ملف المتعاقدين اليوم ليست ترفاً إدارياً، ولا مطلباً فئوياً ضيقاً، وإنما هي جزء من معالجة أزمة التعليم نفسها.


ولذلك فإن المطلوب ليس وعوداً جديدة، ولا لجاناً جديدة، ولا سنوات أخرى من الانتظار.


المطلوب آلية واضحة وشفافة وعادلة لحصر المتعاقدين، ودراسة مؤهلاتهم، وسنوات خدمتهم، واحتياجات المدارس، ثم منح المستحقين منهم الأولوية في التوظيف وفق معايير قانونية ومهنية واضحة، مع فتح المجال للكفاءات الجديدة وفق احتياج حقيقي ومدروس.


إن التعليم لا يحتمل المزيد من التجارب المرتجلة.


ولا يحتمل أن يكون مستقبل أبنائنا رهيناً للتأجيل.


فالمدرسة ليست مبنى فقط، والتعليم ليس منهجاً وكتاباً فقط؛ التعليم إنسان قبل أن يكون جدراناً ومناهج، والمعلم هو قلب هذه العملية وروحها.


قبل أن يسقط الرمق الأخير


إن التعليم في بلادنا يقف اليوم أمام لحظة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام.


فالأعمدة التي حملت المؤسسة التعليمية طوال السنوات الماضية بدأت تتعب، والكوادر تتناقص، والمدارس تحتاج إلى معلمين، والمتعاقدون ينتظرون مصيرهم، والطلاب هم الطرف الأضعف في هذه المعادلة.


وإذا لم تتخذ خطوات جادة وسريعة، فقد لا يكون الانهيار في مؤسسة واحدة، بل ستكون آثاره ممتدة إلى جيل كامل.


فالخاسر لن يكون المعلم وحده.


سيكون الخاسر الطالب الذي يدخل فصلاً بلا معلم، والأسرة التي ترى مستقبل أبنائها يتراجع، والمدرسة التي تفقد توازنها، والمجتمع الذي سيدفع ثمن ضعف التعليم سنوات طويلة.


ولذلك، فإننا نرفع هذه المناشدة إلى الحكومة ووزارة التربية والتعليم والجهات المعنية:


أنقذوا ما تبقى من التعليم.


أنصفوا المتعاقدين.


استثمروا سنوات خبرتهم.


سدوا احتياجات المدارس.


ضعوا حلولاً عاجلة وعادلة لملف التوظيف.


فالمعلم الذي صمد تسع سنوات في الميدان يستحق أن يُسمع صوته، وأن تُقدّر خبرته، وأن يُنظر إلى مستقبله بجدية.


ولنتذكر دائماً:


حين نخسر المعلم، لا نخسر موظفاً فحسب؛ بل نخسر عقلاً كان يمكن أن يصنع مستقبلاً، وجيلاً كان يمكن أن يبني وطناً.


وقبل أن يصل التعليم إلى الرمق الأخير، لا نريد كثيراً من الكلام...


نريد قراراً.


قراراً يعيد للمعلم كرامته، وللمدرسة استقرارها، وللطالب حقه، وللتعليم أمله.