في خطابات الشرعية اليمنية اعتدنا أن نسمع لغة القوة في النهار ونتحدث عن السيادة والحسم والتحرير والاستعداد للمعركة لكن ما إن تطلق جماعة الحوثي صواريخها حتى يتغير المشهد فنسمع بيانات التنديد ونرى التحرك نحو الأمم المتحدة والمطالبة بمواقف دولية وهنا يفرض الواقع نفسه بسؤال لا يمكن الهروب منه هل الشرعية غير قادرة على الرد وهل أصبحت عاجزة عن حماية مناطقها ومواطنيها أم أن المشكلة في مكان آخر
هل تفتقر الشرعية فعلا إلى القوة أم أنها تملك من الإمكانات ما يكفي لمواجهة الانقلاب لكنها لم تستطع حتى الآن توحيد هذه الإمكانات تحت قيادة وقرار واحد وهل المشكلة في عدد المقاتلين والسلاح أم في تعدد مراكز القرار وتباين الحسابات السياسية والعسكرية
ولا تكمن المشكلة في اللجوء إلى المجتمع الدولي فالدبلوماسية جزء طبيعي من أدوات الدولة لكن السؤال يبدأ عندما تتحول الدبلوماسية إلى البديل الوحيد عن القدرة الوطنية وعندما يصبح إصدار بيانات التنديد أسرع من اتخاذ قرار يردع الخطر
فالسيادة ليست كلمة ترفع في الخطابات والقوة ليست في ارتفاع سقف التصريحات وإنما في القدرة على حماية الأرض والمواطن والمؤسسات ومن هنا يصبح السؤال أكثر وضوحا هل تمتلك الشرعية القدرة الحقيقية على الرد أم أن ما نراه منذ سنوات هو فجوة بين القوة الموجودة والقدرة على استخدامها
بعد أحد عشر عاما من الحرب والهدن لم يعد الحوثي مجرد جماعة مسلحة محدودة القدرات فقد راكم خبرة عسكرية وأمنية وطوّر قدراته واستفاد من الظروف المحيطة به وأصبح طرفا مؤثرا في المشهد اليمني لكن هل يعني ذلك أنه أقوى من الشرعية ومختلف القوى المناهضة له؟
ليس بالضرورة
فالشرعية والقوى المناهضة للحوثيين تمتلك رجالا وإمكانات وسلاحا ودعما سياسيا وعسكريا كبيرا وربما تمتلك في مجموعها ما يفوق كثيرا ما يملكه الحوثي في جوانب عديدة لكن الفارق أن هذه القوة موزعة بين مكونات متعددة ومراكز نفوذ وحسابات سياسية مختلفة
وهنا تظهر المفارقة التي يجب التوقف أمامها الحوثي لا يملك بالضرورة القوة الأكبر لكنه يملك قرارا أكثر وحدة بينما تمتلك القوى المناهضة له إمكانات أكبر لكنها لا تتحرك دائما باعتبارها قوة واحدة
فهل تستطيع قوة موزعة أن تهزم قوة أكثر تماسكا؟
وهل يمكن أن تتحول الإمكانات إلى انتصار من دون قرار موحد؟
وهل يمكن لجيش متعدد الولاءات أن يخوض معركة وطنية واحدة؟
وهل تستطيع الشرعية أن تهزم الانقلاب عسكريا إذا ظلت القوى التي تقف في صفها مختلفة في رؤيتها وأولوياتها ومراكز نفوذها؟
هذه ليست أسئلة للتشكيك في قدرة اليمنيين ولا في تضحيات المقاتلين وإنما أسئلة تبحث عن أصل المشكلة لأن اليمنيين دفعوا ثمنا باهظا خلال أحد عشر عاما ولا يجوز أن تمر كل هذه السنوات من دون مراجعة حقيقية
لقد أثبتت الحرب أن المشكلة ليست في نقص الرجال فاليمن مليء بالرجال ولا في غياب الرغبة في استعادة الدولة وإنما في تحويل هذه الطاقات إلى قوة وطنية منظمة فالقرار المتعدد يضعف الفعل وتعدد الولاءات يشتت المؤسسة العسكرية ومراكز النفوذ تجعل الدولة أحيانا أضعف من الأطراف التي يفترض أن تعمل باسمها
ولا يمكن هزيمة انقلاب منظم بمشاريع متفرقة كما لا يمكن بناء دولة بجيش متعدد الولاءات أو الحديث عن السيادة بينما القرار موزع بين أكثر من مركز
ومن هنا فإن استعادة الدولة تبدأ بتغيير القاعدة التي حكمت السياسة اليمنية لعقود من دولة الأشخاص والقبيلة إلى دولة المؤسسات ومن الولاء للفرد إلى الولاء للقانون ومن مراكز النفوذ إلى مؤسسات الدولة ومن التشكيلات المرتبطة بالأفراد والجماعات إلى جيش وطني واحد ومن اقتصاد تحكمه شبكات المصالح إلى اقتصاد يخدم المجتمع ومن الولاءات الضيقة إلى مواطنة متساوية
اليمن يحتاج إلى أشقائه وأصدقائه وإلى الدعم الإقليمي والدولي لكن الدعم يجب أن يكون وسيلة لبناء القدرة لا بديلا عنها فالدولة التي تستفيد من الآخرين لتقوية مؤسساتها تصبح أكثر استقلالا أما الدولة التي تنتظر الآخرين في كل أزمة فإنها تفقد تدريجيا قدرتها على صناعة قرارها
وبعد أحد عشر عاما يجب أن يكون السؤال مختلفا لم يعد السؤال فقط متى تنتهي الحرب وإنما أي دولة نريد أن تخرج من هذه الحرب وهل سنعود إلى القواعد القديمة نفسها أم سنبني دولة جديدة تقوم على المؤسسة والقانون والمواطنة
اليمنيون لا يريدون حربا لا تنتهي ولا يريدون أن ينتصر طرف على طرف ثم تبدأ دورة جديدة من الصراع
هم يريدون استعادة الدولة
يريدون جيشا وطنيا واحدا وقرارا وطنيا واحدا ومؤسسات لا تخضع للأشخاص ومواطنة لا تميز بين يمني وآخر ويريدون دولة تستطيع حماية أرضها ومواطنيها دون أن تنتظر في كل مرة من يقوم بالمهمة عنها
وهنا يكون الانتصار الحقيقي
ليس أن تنتصر مليشيا على مليشيا
ولا أن يستبدل مركز نفوذ بمركز نفوذ آخر
بل أن تنتصر الدولة على منطق المليشيا وأن ينتصر القانون على الفوضى وأن ينتصر اليمن على مشاريع التجزئة والنفوذ
اليمن لا يحتاج إلى طرف ينتصر على اليمن
اليمن يحتاج إلى دولة تنتصر لليمن
واليمن أكبر من الجميع ويجب أن يكون فوق الجميع