استعيرُ لغةَ الناس اليومية لأرسم مأساتها والحرب العبثية؛ فأعذروني؛ ... فما أوجع أن تُوصف أرواح الملايين وثمار صبرهم بأنها (نُصّ خَمْدَة)! الطعام الذي لم ينضج تمجّه النفوس والطباع، لا يُسمن ولا يُغني من جوع، والبيض المروب يتأرجح بين السيولة والجماد. لكن أن تحكم هذه السيالة اللزجة مصير شعب بأكمله، فتلك هي الطامةالكبرى والجريمة.
أَرِيْحُونَا...!
ليست المأساة في النار التي تُحرق دفعة واحدة، بل في النار الخافتة التي تُطيل أمد الشواء حتى يتفحم القلب من الداخل دون أن يكتمل نضجه أبدا أبدا....
أَرِيْحُونَا...!
أتذكر أياما كان فيها التناحر على السلطة، مهما بلغ من حدة، شأنا فئويا أو نخبويا، تحكمه حدود لا تمس أمن الناس اليومي ولا تقطع كسرة خبزهم. كانت جولات الصراع- في المناطق الوسطى، أو يناير الدموي ١٩٨٦، أو صيف ١٩٩٤- تُحسم بسرعة، لتعود المؤسسات، وتُصرف المرتبات، وتُعقد المحاكم. كان الهيكل الأخلاقي محكوما بمقولة القيادي الناصري عيسى محمد سيف قبيل إعدامه:
"نحن نضحي بأرواحنا من أجل الشعب، وليس الشعب من يضحي بأرواحهم من أجلنا".
أَرِيْحُونَا...!
أما اليوم فقد انكسرت هذه القاعدة تماما. انقلبت الآية، وصار الشعب هو القربان اليومي الذي يُضحى به من أجل سلامة القادة ورفاهية أمراء الحرب. لم تعد الحرب انفجارا عشوائيا، بل عبثا منظما تُدار آلياته بدقة تحت لافتات "الحكمة" و"إدارة الأزمة".
أَرِيْحُونَا...!
يُدرج المواطن عمدا كمدخل إنتاجي ووقود مباشر. تُنتزع أجيال من مقاعد الدراسة ليتحولوا إلى حطب لبيانات النصر، بينما تُعاد هندسة الخرائط على وقع هذا النزيف المستمر.
أَرِيْحُونَا...!
وأنا الذي رأيتُ كيف يُضبط مستوى التصعيد بعناية فائقة كي لا يحترق الجميع دفعة واحدة، بل يُستهلك المجتمع على دفعات مريحة للحسابات المحلية والإقليمية. يأتي الضغط والوساطات بشكل متقطع لتبقي الجميع داخل حلبة النزاع، دون السماح بالحسم أو الانهيار الكلي.
أَرِيْحُونَا...!
ومن رحم هذا الضبط التكتيكي ولدت شبكات نفعية وطبقات مشوهة: أرباب الفنادق وسماسرة السلاح الذين يجدون في استمرار اللهب ضمانا لمكاسبهم، وفي صرخات الثكالى أرقاما بنكية تُنعش أسواقهم. بالنسبة لهؤلاء لم تعد الحرب حالة استثنائية، بل نظاما اقتصاديا وسياسيا قائما بذاته، يغدو فيه السلام خطرا وجوديا. وتآكلت الشرعيات، وتوزعت المناصب كأن المعركة هي تأمين المستقبليات الفردية، فأُتيحت للجماعات العقائدية المنظمة- وفي مقدمتها جماعة الحوثي- فرصة بناء قوتها بهدوء وابتلاع خصومها المتفرقين، حتى تسيد المشهد خيار الصراع الصفري.
كل يوم يتأخر فيه قرار الحسم يرتفع فيه ثمن الترميم غدا إلى أضعاف مضاعفة. والوقوف في المنتصف ليس حيادا، بل غرقا محتوما.
أَرِيْحُونَا...!
أنا لا أكتب هذا من بعيد. أنا أكتب وأنا أحمل جنازات كثيرة في رأسي، وأشم رائحة الدم التي لم تغسلها السنوات. أكتب وأنا أرى وجه أمي وهي تموت بعيدة، ووجوه إخوتي وجيراني وأصدقائي الذين اختفوا في هذا الموت البطيء. أكتب وأنا أشعر أنني صرتُ العالق بين السيولة والجماد، بين الأمل والرماد، بين الحوار الذي انهار والحرب التي لا تنتهي.
أَرِيْحُونَا...!
فلكل مأساة ختام. ليست المطالبة بالحسم دعوة لمزيد من الدم، بل صرخة غريق يرجو الساحل أو القاع. لكسر هذه الدائرة المغلقة لا يكفي النواح. لا بد من إعادة بناء مركز سياسي شامل يرتكز على المواطنة وسيادة القانون، يصهر المكونات في هيكل موحد يُعيد للسلطة التزامها الأخلاقي بحماية الشعب لا التضحية به. لا بد من تجفيف منابع اقتصاد الحرب، بمأسسة الموارد وإخضاعها لحوكمة صارمة تسحب البساط من تحت أقدام شبكات التربح. لا بد من ندّية التحالفات، ومن الاستثمار في الشباب والتعليم لحمايتهم من أن يتحولوا إلى وقود مجاني.
تفكيك طاحونة العبث وإخراجنا من حالة "نُصّ خَمْدَة" المقيتة لن يتحقق بالتمني، ولا باجترار حنينٍ إلى زمانٍ كان فيه الصراع أقل كلفة. يحتاج إلى واقع سياسي وميداني جديد يتأسس على مؤسسات متماسكة ورؤية صلبة. حينها فقط يتوقف النزيف، ويتحول الزمن من سيفٍ يقطع أمل اليمنيين إلى بناءٍ يستعيد الدولة والكرامة والخبز والحرية.
أما الآن..
فما زالت أمي تموت في رأسي كل ليلة، والجنازات تمشي، والجوع يزحف، والنار الخافتة تطحن. وأنا.. أنا الذي كنت أحلم في قاعات الحوار.. صرتُ "نُصّ خَمْدَة".
مجيب الرحمن الوصابي