آخر تحديث :الجمعة-18 سبتمبر 2026-01:08م

بلغت القلوب الحناجر... حين تغيب الدولة عن مدارسها

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 01:39 م
حسين سالم السليماني


بلغت القلوب الحناجر، ولم يعد في الصدر متسع لمزيد من الصبر.

هذه ليست صرخة المعلمين وحدهم، بل صرخة شعب بأكمله أنهكته الأزمات، وأثقلته الحاجة، وأُغلقت في وجهه أبواب الإصلاح، حتى أصبح المواطن يواجه يومه بحثاً عن أبسط مقومات الحياة، بينما تتسع الفجوة بينه وبين من يفترض أن يكونوا مسؤولين عن حياته ومستقبله.


ومع اقتراب العام الدراسي الجديد، تقف مدارس بلادي أمام مشهد مؤلم؛ مدارس بلا معلمين، ومعلمون بلا حقوق، وطلاب ينتظرون عاماً دراسياً لا يعرفون كيف سيكون مصيره.


فكيف نطلب من المعلم أن يصنع أجيال المستقبل، وهو عاجز عن صناعة يومه؟


كيف نطالبه بأن يقف أمام طلابه شامخاً، وهو يعود إلى منزله مثقلاً بالهموم، يبحث عن راتب غائب، أو قوت يسد به جوع أسرته، أو ماء بارد يخفف عنه وطأة الحر، أو قطعة ثلج تلامس جوفه وتمنحه لحظات من القدرة على مواصلة الحياة؟


المعلم اليوم ليس بعيداً عن معاناة شعبه؛ إنه واحد من هذا الشعب، يعيش أزماته نفسها، ويقف في طوابيره نفسها، ويعاني الغلاء وانهيار القدرة الشرائية وانقطاع الخدمات، ثم يُطلب منه أن يحمل على كتفيه أمانة التعليم وكأن المعاناة لا تمسّه.


إن المدارس لا تُبنى بالجدران وحدها، ولا تُفتح أبوابها باللافتات، ولا تُصنع العملية التعليمية بالمناهج والكتب فقط؛ المدرسة معلم، والمعلم هو قلبها النابض.


وحين يغيب المعلم، فإن المدرسة قد تبقى واقفة بجدرانها، لكنها تصبح خالية من روحها.


وما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة يمكن تجاوزها ببيان رسمي أو وعود جديدة، بل هو جرس إنذار خطير لمستقبل أجيال بأكملها. فإذا كان المعلم بلا راتب، وبلا حقوق، وبلا استقرار، فكيف نطلب منه أن يمنح أبناءنا العلم والأمل والانضباط؟


أي مستقبل ننتظر من مدرسة فقدت معلمها، ومعلم فقد حقه، وطلاب فقدوا الثقة في غدهم؟


إن الحكومة والقيادة تتحملان مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه هذا الواقع. فالدولة لا تُقاس بعدد بياناتها، ولا بكثرة اجتماعاتها، ولا بحجم الوعود التي تُطلقها، وإنما تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، وصون كرامتهم، ودفع رواتب موظفيها، وحماية مؤسساتها، وفي مقدمتها مؤسسة التعليم.


أما أن يُترك المعلم لمواجهة الفقر، وتُترك المدارس لمواجهة الفراغ، ويُترك الطالب لمواجهة المجهول، ثم نطلب من الجميع أن يواصلوا الصمت والصبر؛ فذلك ليس حلاً، بل تأجيل للأزمة حتى تصبح أكثر قسوة وخطورة.


ولا يمكن أيضاً تجاهل مسؤولية التحالف الداعم لهذه السلطة والقيادة. فالدعم الحقيقي لا يكون بإدارة المشهد من بعيد، ولا باستمرار الأزمات دون حلول مستدامة، وإنما بأن يشعر المواطن أن هذا الدعم انعكس على حياته، وعلى أمنه، وعلى خدماته، وعلى مدرسته، وعلى معيشته وكرامته.


لقد طال انتظار الشعب للحلول، وكثرت المسرحيات، وتبدلت الأدوار، بينما بقي المواطن هو المشاهد الوحيد الذي يدفع ثمن كل فصل من فصولها.


يشاهد، ويتألم، وينتظر.


ثم يُطلب منه أن يصفق!


لا يا سادة... لقد بلغت القلوب الحناجر.


بلغت عند المعلم الذي أنهكته الحاجة، وعند الأب الذي لا يستطيع توفير احتياجات أسرته، وعند الطالب الذي يخشى أن يضيع عامه الدراسي، وعند المواطن الذي يرى وطنه يستهلك ما تبقى من قدرته على الصبر.


إن التعليم اليوم لا يحتاج إلى مسكنات مؤقتة، بل إلى إنقاذ حقيقي؛ رواتب منتظمة، وحقوق مصونة، ومعلم يعيش بكرامة، ومدرسة قادرة على أداء رسالتها، وخطة واضحة تنقذ التعليم من الانهيار.


فالأوطان لا تسقط حين تنهدم مبانيها فقط، بل تبدأ بالسقوط حين تنهار مؤسساتها، وحين يفقد معلمها كرامته، وحين يصبح مستقبل أبنائها آخر ما يُفكر فيه.


وحين تصل مؤسسة التعليم إلى مرحلة الإنعاش، فهذه ليست مشكلة مدرسة أو معلم؛ إنها مشكلة وطن بأكمله.


فأنقذوا التعليم قبل أن يصبح إنقاذه مستحيلًا.


أنقذوا المعلم قبل أن يفقد القدرة على الوقوف أمام طلابه.


أنقذوا المدارس قبل أن تتحول إلى مبان صامتة تحمل على جدرانها اسم التعليم.


أما الشعب، فقد صبر طويلاً...


وبلغت القلوب الحناجر.