لم يعد التعليم الجامعي مجرد طريق للحصول على شهادة، فالجامعة اليوم أصبحت المكان الذي تتشكل فيه عقول الشباب، وتُبنى فيه مهاراتهم، وتولد فيه الأفكار التي يمكن أن تتحول إلى مشاريع تخدم المجتمع. ولهذا فإن قوة الدول لم تعد تقاس بما تملكه من المال فقط، وإنما بما تملكه من عقول متعلمة وقادرة على صناعة المستقبل.
وفي اليمن، الذي عاش سنوات طويلة من الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، أصبح الحفاظ على الجامعات واستمرار التعليم مسؤولية وطنية كبيرة. فالأزمات قد تؤثر في المباني والموارد، لكنها لا يجب أن تغلق أبواب العلم أمام الشباب أو تقتل أحلامهم بالمستقبل.
ومن هنا تبرز جامعة تعز، في مدينة عُرفت منذ زمن طويل بأنها مدينة العلم والثقافة. فرغم كل الظروف، ما زال الطلاب والطالبات يأتون إلى الجامعة من مختلف مناطق المحافظة، وبعضهم يقطع مسافات طويلة للوصول إلى قاعات الدراسة، لأنهم يعرفون أن العلم هو الطريق الذي يمكن أن يقودهم إلى حياة أفضل.
ولعل حضور جامعة تعز في تصنيف Times Higher Education العالمي لعام 2026 ضمن الفئة 1001–1200 عالميًا يمثل صورة مهمة لهذا الإصرار. فهذا الحضور لا يعني مجرد الحصول على ترتيب، بل يعكس قدرة الجامعة على مواصلة العمل والتطور رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
وفي هذه المسيرة يبرز دور الأستاذ الدكتور محمد محمد سعيد الشعيبي، رئيس جامعة تعز، الذي يستحق الإشادة ليس فقط بما تقوم به الجامعة من خطوات أكاديمية، وإنما أيضًا بطريقة تعامله مع قضايا الطلاب والطالبات.
فالقيادة الجامعية لا تظهر فقط في المشاريع والاتفاقيات والمؤتمرات، وإنما تظهر أيضًا عندما يشعر الطالب أن صوته مسموع، وأن مشكلته تجد من يستمع إليها، وأن مستقبله ليس مجرد رقم في ملف.
وهذا ما ظهر بوضوح في قضية السكن الجامعي للطالبات.
فبالنسبة إلى طالبة تأتي من ريف تعز أو من منطقة بعيدة، فإن السكن الجامعي ليس مجرد مكان للإقامة، بل هو وسيلة تساعدها على الاستمرار في دراستها. وقد تكون زيادة الرسوم سببًا في أن تجد أسرة محدودة الدخل نفسها أمام خيار صعب يتعلق بمستقبل ابنتها.
ولهذا فإن قرار مراجعة أوضاع السكن وتشكيل لجنة لدراسة الموضوع، ثم إيقاف مقترح زيادة الرسوم، يحمل رسالة مهمة مفادها أن ظروف الطالبات يجب أن تكون حاضرة في أي قرار يتعلق بهن.
حكيمٌ أنت يا دكتور، حين لم تنظر إلى الرسوم باعتبارها رقمًا ماليًا فقط، بل رأيت خلفها طالبة وأسرة وحلمًا بمستقبل أفضل.
وهنا تظهر قيمة القيادة الحقيقية. فمراجعة القرار بعد دراسة آثاره والاستماع إلى الطلاب ليست ضعفًا، بل مسؤولية وشجاعة. والقائد الناجح هو من يعرف متى يتخذ القرار، ومتى يعيد النظر فيه، ومتى يبحث عن حلول أخرى.
والأجمل في موقف رئيس جامعة تعز أنه لم يجعل مشكلة السكن مسؤولية الطالبات وحدهن، بل اتجه إلى البحث عن مصادر دعم من السلطة المحلية وفاعلي الخير والجهات المختلفة، حتى تستمر خدمة السكن دون أن تتحول تكاليفها إلى عبء أكبر على الطالبات.
لكن جامعة تعز لا تستطيع أن تتحمل هذه المسؤولية وحدها. فهناك دور مهم للسلطة المحلية، ورجال الأعمال، والمؤسسات الخيرية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني.
ومن المهم أن ينظر هؤلاء إلى دعم التعليم باعتباره مسؤولية تجاه المجتمع، وليس مجرد تبرع مؤقت. فدعم السكن الجامعي، وتجهيز المعامل، وتمويل البحث العلمي، ومساعدة الطلاب غير القادرين، كلها أعمال تعود فائدتها على المجتمع في المستقبل.
فالطالب الذي تدعمه اليوم قد يكون غدًا المحاسب الذي يدير حسابات شركتك، أو المهندس الذي يشرف على مشاريعك، أو المحامي الذي يحمي مصالحك القانونية، أو الإداري الذي ينظم أعمالك، أو الفني الذي يدير خطوط الإنتاج في مصنعك. ولذلك فإن دعم التعليم ليس مجرد عمل خيري، بل استثمار حقيقي في الكفاءات التي سيحتاج إليها سوق العمل، وفي الإنسان الذي سيشارك في بناء الاقتصاد والمجتمع.
فالمدينة التي تريد اقتصادًا قويًا تحتاج إلى جامعة قوية، والاقتصاد لا يقوم على المال وحده، بل يحتاج إلى عقول تعرف كيف تعمل وتنتج وتبتكر. ورجل الأعمال الذي يستثمر في التعليم لا يقدم خدمة للجامعة فقط، وإنما يساهم في بناء الكفاءات التي سيحتاج إليها مشروعه وسوقه ومدينته في المستقبل.
ومن هنا فإن جامعة تعز ليست مسؤولية رئيس الجامعة وحده، وإنما هي مسؤولية المجتمع كله. وهي ليست مجرد مبانٍ وقاعات، بل مشروع للمستقبل.
وقد يكون أهم ما يمكن أن تقدمه الجامعة اليوم هو أن تمنح الطالب سببًا للاستمرار في الحلم.
ففي كل صباح يصل فيه طالب إلى قاعة المحاضرات رغم الصعوبات، هناك انتصار صغير على الظروف. وفي كل طالبة تأتي من منطقة بعيدة وتواصل تعليمها، هناك أمل جديد لأسرتها ومجتمعها.
ولهذا فإن التعليم لا ينتظر انتهاء الأزمات حتى يبدأ دوره في بناء اليمن، بل هو أحد الطرق التي يمكن أن تساعد اليمن على تجاوز آثارها.
وهنا تستحق قيادة جامعة تعز، ممثلة برئيسها الدكتور محمد سعيد الشعيبي، الإشادة عندما تجعل الطالب حاضرًا في قراراتها، وتتعامل مع قضاياه بروح المسؤولية، وتبحث عن حلول تحافظ على الجامعة وتحمي في الوقت نفسه حق الطلاب والطالبات في التعليم.
حين تنتصر الجامعة لصوت طالباتها، فإنها لا تنتصر لفئة من المجتمع فقط، وإنما تنتصر لفكرة التعليم نفسها.
فمن يحمي الطالب اليوم، يحمي الطبيب والمهندس والمحامي والإداري والفني الذي سيبني اليمن غدًا.
وقد تترك الأزمات آثارها على الجدران، لكن الجامعة تستطيع أن تكتب فوق تلك الآثار قصة أخرى؛ قصة تقول إن العلم ما زال حيًا، وإن الشباب ما زالوا يحلمون، وإن المستقبل مهما كان صعبًا يمكن أن يبدأ من مقعد جامعي.
التعليم أولًا.. لأن من يحمي الجامعة اليوم، يحمي مستقبل الوطن غدًا.