آخر تحديث :الأحد-09 أغسطس 2026-06:49ص

من يعتقد أن اليمن يُبنى بإقصاء اليمنيين.. واهم

الأحد - 09 أغسطس 2026 - الساعة 06:43 ص
محمد ناصر عجلان


بقلم الصحفي / محمد ناصر عجلان


لنكن أكثر صراحة مع أنفسنا: اليمن لن يُبنى على أنقاض مكوّن يمني، ولن تستقر الدولة بإقصاء طرف، ولن تنتهي الحرب إذا بقي كل طرف يتعامل مع الآخر باعتباره عدواً يجب اجتثاثه.


هذه ليست دعوة للمساواة بين الحق والباطل، ولا تبريراً للانقلاب أو حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا غطاءً لمن ارتكب الجرائم بحق اليمنيين، وإنما هي دعوة إلى التفريق بين مواجهة المشروع الذي يهدد الدولة وبين تحويل الصراع إلى مشروع لإلغاء مجتمع بأكمله.


فاليمن أكبر من حزب، وأكبر من جماعة، وأكبر من قبيلة، وأكبر من منطقة أو تيار سياسي. اليمن وطن تتداخل فيه روافد كثيرة، وإذا حاول أحدهم تجفيف رافد كامل، فلن يضعف ذلك الرافد وحده، بل سيصيب النهر كله بالوهن.


لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة الإقصاء لا تصنع دولة، وأن الغلبة المؤقتة لا تعني انتصاراً دائماً، وأن القوة مهما بلغت لا تستطيع وحدها أن تمنح الوطن الاستقرار.


ومن الخطأ أن يعتقد أي طرف أن اللحظة السياسية أو العسكرية تمنحه تفويضاً مفتوحاً لإلغاء الآخرين.


لا أحد يملك اليمن وحده.


هذه هي الحقيقة التي يجب أن يستوعبها الجميع، قبل أن يدفع الوطن ثمناً جديداً من دم أبنائه.


نحن يمنيون قبل أن نكون حزبيين أو قبليين أو مناطقيين أو أصحاب مشاريع سياسية وفكرية مختلفة. وهذه الهوية الوطنية يجب أن تكون السقف الذي تلتقي تحته جميع الاختلافات.


أما أن يتحول الخلاف السياسي إلى تخوين، والتخوين إلى تحريض، والتحريض إلى اقتتال، والاقتتال إلى دعوات للاجتثاث والتصفية، فهذه ليست سياسة، بل طريق آخر لإعادة إنتاج الكارثة.


كفى فهلوة سياسية... وكفى استعراضاً للقوة وفتل العضلات.


من يملك القوة اليوم قد لا يملكها غداً، ومن يعتقد أن خصمه انتهى قد يكتشف بعد سنوات أن أسباب الصراع ما زالت قائمة. أما الدولة، فهي التي يجب أن تبقى فوق الجميع، لأنها وحدها القادرة على إنهاء منطق الغلبة وإحلال منطق القانون.


واليمن ليس لوحة يمكن مسح لون منها والإبقاء على بقية الألوان.


إنه مجتمع تشكل عبر قرون من التنوع: قبائل ومناطق ومدارس فكرية وتيارات سياسية ومكونات اجتماعية وثقافية متعددة. قد نختلف معها، وقد نرفض بعض مواقفها، وقد نواجه مشاريعها سياسياً أو قانونياً أو عسكرياً حين تخرج على الدولة، لكن لا يمكن أن نتعامل مع حقيقة وجودها وكأنها لم تكن.


المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في عجزنا عن إدارة الاختلاف.


الدولة القوية ليست التي تلغي معارضيها، بل التي تجعل الجميع تحت سلطة القانون.


والقائد الحقيقي ليس من يستطيع إسكات الآخرين، وإنما من يستطيع جمع المختلفين حول مصلحة وطنية مشتركة.


والانتصار الحقيقي ليس أن يرفع طرف رايته فوق أنقاض الطرف الآخر، وإنما أن نصل إلى اليوم الذي يستطيع فيه اليمني أن يعود إلى منزله وقريته ومدينته آمناً، وأن يعيش من دون خوف، وأن يختلف سياسياً مع غيره دون أن يتحول الخلاف إلى رصاصة أو صاروخ أو ثأر.


ولنكن واقعيين:


من سنقصي؟


هل سنبحث عن شعب آخر بعد أن نقصي أبناء اليمن؟


هل سنستورد مجتمعاً جديداً ليعيش على هذه الأرض؟


أم سنستمر في إقصاء بعضنا بعضاً حتى لا يبقى من اليمن سوى الخراب والذكريات؟


الحقيقة أن جميع التيارات والمكونات، بما فيها التي نختلف معها، خرجت من رحم المجتمع اليمني نفسه. ولذلك فإن معالجة الأزمة لا تكون بإنكار وجودها، وإنما بإعادة وضع الجميع أمام قواعد واضحة: الدولة، الدستور، القانون، والمؤسسات.


من أراد العمل السياسي فليعمل من خلال السياسة.


ومن أراد المنافسة فلينافس عبر المؤسسات.


ومن يملك مشروعاً فليطرحه أمام الشعب.


أما السلاح خارج الدولة، والفرض بالقوة، والقتل، والانتقام، والإرهاب، فهي أفعال يجب أن تواجهها الدولة بالقانون، أياً كان مرتكبها وانتماؤه.


وهنا تحديداً يجب أن يكون معيارنا واحداً.


لا نريد دولة تنتقم من خصومها، ولا دولة تخضع لأقويائها، ولا دولة تُدار بالمحاصصة أو الولاءات الشخصية.


نريد دولة يمنية حقيقية؛ دولة يكون فيها المواطن مواطناً قبل أن يكون تابعاً، ويكون فيها القانون أقوى من القبيلة والحزب والجماعة والقائد.


اليمن لا يحتاج إلى مزيد من المنتصرين في معارك الداخل، بل يحتاج إلى منتصر واحد اسمه اليمن.


ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة الاعتراف بأننا جميعاً جزء من المشكلة، وأننا جميعاً يجب أن نكون جزءاً من الحل.


فمن يعتقد أن الطريق إلى الدولة يمر عبر إلغاء اليمنيين، فهو لا يبني دولة، بل يؤسس لدورة جديدة من الصراع.


ومن يعتقد أن اليمن لا يتسع إلا له ولجماعته، فهو لم يفهم اليمن بعد.


اليمن يتسع للجميع، لكن الدولة لا تتسع للفوضى.


هذه هي المعادلة التي يجب أن نفهمها.


فلا مستقبل لليمن بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا استقرار بمنطق الثأر وتصفية الحسابات، ولا دولة بمنطق الإلغاء.


أما إذا استطعنا أن نجعل اختلافنا داخل مؤسسات الدولة، وأن نجعل القانون حكماً بيننا، وأن نضع اليمن فوق الأشخاص والمكونات والمصالح، فعندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا فعلاً بناء وطن يستحقه أبناؤه.


اليمن لا يحتاج إلى أن ينتصر اليمني على اليمني... اليمن يحتاج أن ينتصر اليمنيون لليمن.