قال الدكتور أحمد بن إسحاق، في تعليقه على الاتفاق الثلاثي الموقع اليوم في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، إن الاتفاق لا يمثل مجرد ترتيبات دفاعية بين ثلاث دول، وإنما يعكس تحولاً مهماً في منظومة الأمن الإقليمي، يمكن أن تمتد آثاره إلى مختلف ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الملف اليمني.
وعبّر بن إسحاق عن تفاؤله بأن تكون من أولى نتائج هذا التحول إعادة تحريك خارطة الطريق اليمنية التي ظلت معلقة منذ الإعلان عنها، موضحاً أن هذا التفاؤل لا يستند إلى أن الاتفاق يتضمن ترتيبات خاصة باليمن، وإنما إلى أن تغير الحسابات الأمنية والاستراتيجية للسعودية، وتطور شبكة علاقاتها الإقليمية، قد يمنحها مساحة أكبر لإعادة النظر في كلفة استمرار الحرب اليمنية والانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة مسار التسوية.
وأكد أن تحريك خارطة الطريق لا ينبغي أن يعني العودة إليها بصورة آلية، بل يستدعي ضمانات أوضح وترتيباً أكثر إحكاماً لمراحل تنفيذها، بما يمنع تحول مكاسب المرحلة الأولى إلى وسيلة لتعطيل المراحل اللاحقة أو إعادة إنتاج الصراع.
وأشار إلى أن التسوية ينبغي أن تبدأ بوقف الحرب ومعالجة الملف الاقتصادي، ثم تشكيل سلطة توافقية وتوحيد مؤسسات الدولة والقيادة والسيطرة العسكرية والأمنية، قبل الانتقال إلى الحوار حول شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة، ثم صياغة الدستور وإجراء الانتخابات. وقال إن هذا الترتيب ضروري لأن بناء دستور وانتخابات في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة قد يجعل مخرجات العملية السياسية عرضة للانقلاب عليها بالقوة.
وشدد بن إسحاق على أن الضمانات يجب ألا تكون موجهة لطرف بعينه، وإنما لجميع الأطراف، بحيث تضمن احترام الاتفاق والدستور ونتائج الانتخابات، وعدم استخدام القوة لتغيير مخرجات التسوية، معتبراً أن أي اتفاق لا يتضمن آليات واضحة للتعامل مع خرق مراحله قد يتحول إلى هدنة تؤجل الحرب بدل أن تنهيها.
وأضاف أن من القضايا التي ينبغي أن تحظى بنقاش جاد في المرحلة الدستورية شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة، مشيراً إلى أن الفيدرالية قد تكون إحدى الصيغ القابلة للنقاش لاستيعاب التنوع اليمني ومخاوف مختلف المناطق، شريطة أن تقترن بتوزيع عادل وواضح للسلطات والموارد وضمانات دستورية تحمي حقوق الجميع.
وختم بن إسحاق بالقول إن اليمنيين، بعد سنوات من الحرب والانقسام والاستنزاف، أصبحوا أكثر حاجة إلى خارطة طريق تنقلهم من مجرد وقف الحرب إلى بناء الدولة، معتبراً أن التحولات الإقليمية الجديدة قد تهيئ فرصة لإحياء المسار السياسي، لكن نجاحها يتوقف على تحويلها إلى منظومة مترابطة من الالتزامات والضمانات والمراحل، بحيث تكون طريقاً إلى السلام والدولة، لا مجرد هدنة تؤجل جولة جديدة من الحرب.